بين غربة أمريكا وحنين السودان.. قصة الطبيب أسامة محمد الذي يبحث عن “الشفاء” لوطن تحت الحرب

بقلم آسيا فيريرا – binghamton

يعبّر أسامة محمد، الحاصل على درجة الماجستير في الصحة العامة لعام 2026، عن تقديره العميق للفرص التي أتيحت له في جامعة بينغهامتون وكلية ديكر للتمريض والعلوم الصحية، والتي أسهمت في تشكيل مسيرته المهنية والإنسانية.

حصل أسامة محمد على شهادة الطب في السودان قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة، حيث يواصل رحلته الأكاديمية. وخلال دراسته لدرجة الماجستير في الصحة العامة بجامعة بينغهامتون، يعمل متدربًا في مؤسسة فينجر ليكس الصحية، مساهماً في دعم المرضى المصابين بمرض السكري من خلال مساعدتهم على تبني أنماط حياة صحية تقلل من احتمالات المضاعفات والوفيات.

أسامة محمد، وهو طبيب وأخصائي أمراض جلدية معتمد، يدرس حاليًا في برنامج الصحة العامة بدافع من شغفه بخدمة مجتمعه وعائلته ووطنه، حيث يرى في الرعاية الصحية رسالة تتجاوز حدود المهنة.

يحمل محمد الجنسية الأمريكية منذ أكثر من عشر سنوات، إلا أنه وُلد في المملكة العربية السعودية ونشأ في السودان، حيث تلقى تعليمه الطبي ومارس مهنة الطب لعدة سنوات قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة برفقة أسرته. وعلى الرغم من الامتنان الذي يشعر به تجاه الفرص التعليمية والمهنية التي حصل عليها في كلية ديكر، فإنه لا يزال يعتبر السودان وطنه الحقيقي.

يقول محمد: “أفتقد الحياة في السودان؛ هناك روح مختلفة للحياة. العلاقات الاجتماعية، والتواصل بين الناس، والشعور بالمجتمع، كلها أعمق بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة، حيث يسود طابع العزلة. أشتاق لكل شيء: الناس، والبيئة، والطعام، والرقص، وحتى عملي كطبيب أمراض جلدية.”

دوافع شخصية وإنسانية

اختار محمد التخصص في الأمراض الجلدية بعد تجربة شخصية مؤثرة، حيث عانت ابنته الكبرى من التهاب الجلد التأتبي، وهو نوع شديد من الإكزيما. وقد عزز هذا الحدث اهتمامه بالصحة العامة، ودفعه لمواصلة دراساته العليا بهدف توسيع تأثيره في المجال الصحي.

ويضيف: “بالنسبة لي، الطب ليس مجرد معرفة، بل هو خدمة أيضًا. أحب مساعدة الآخرين وإحداث تغيير حقيقي في حياتهم، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة. إذا تمكنت من فهم النظام الصحي في الولايات المتحدة، فسأكون قادرًا على المساهمة في إصلاح النظام الصحي المتدهور في السودان، حيث يركز برنامج الصحة العامة هنا على الوقاية، وهو ما يقلل بشكل كبير من انتشار الأمراض.”

ومن بين الأمراض التي يسعى محمد لمكافحتها في السودان، يبرز مرض الجذام، الذي لا يزال يشكل تحديًا صحيًا في بعض المناطق، حيث يؤدي في حال عدم علاجه إلى مضاعفات خطيرة مثل تلف الأعصاب وفقدان الأطراف.

ويؤكد: “من خلال تقليل الوصمة الاجتماعية، وتوفير العلاج المناسب، وتدريب الكوادر الصحية، أطمح إلى القضاء على أمراض مثل الجذام في السودان. وأعتقد أن دراستي في برنامج الصحة العامة ستمنحني الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك.”

تحديات الحياة بين الدراسة والأسرة

إلى جانب كونه طالبًا، فإن محمد زوج وأب لخمسة أطفال، ما يجعل رحلته الأكاديمية أكثر تعقيدًا في ظل مسؤولياته الأسرية الكبيرة.

ويقول: “أنا أب قبل أن أكون طالبًا. عائلتي هي أولويتي الأولى. أحب قضاء الوقت مع أطفالي، وأسعى دائمًا لتحقيق التوازن بين دراستي وحياتي الأسرية. زوجتي هي الداعم الأكبر لي؛ تتفهم انشغالي وتتحمل الكثير من المسؤوليات، لكنني أحرص دائمًا على أن أكون حاضرًا كأب.”

السودان تحت وطأة الحرب

منذ انتقاله إلى الولايات المتحدة، ظل محمد مرتبطًا بوطنه، حيث كان يعود بانتظام لممارسة عمله الطبي، وكذلك للاطمئنان على أسرته في ظل الأوضاع الأمنية المتدهورة.

ومع اندلاع الحرب، اضطر والداه إلى مغادرة منزلهما في الخرطوم، متنقلين بين إثيوبيا والمملكة العربية السعودية بحثًا عن الأمان، في مشهد يعكس معاناة آلاف الأسر السودانية.

ويتابع محمد تطورات الأوضاع عبر مقاطع الفيديو التي ينشرها من هم داخل السودان، في ظل قلق دائم على أحبائه.

ويقول: “سألت والدي عمّا يفتقده، فقال إنه يشتاق للذكريات. منزلنا مليء بصورنا وشهاداتنا، وقد بناه بحب، لكنه أُجبر على تركه. في مثل هذه الظروف، لا يكون لديك خيار؛ إما أن تغادر أو تواجه الموت.”

كما عبّر عن إحباطه من ضعف التغطية الإعلامية وقلة الدعم الدولي للأزمة السودانية، مشيرًا إلى أن معاناة الشعب السوداني لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بأزمات أخرى.

وأضاف: “السودان جزء مني، وأشعر بالحزن لأن العالم لا يولي ما يحدث هناك الاهتمام الذي يستحقه.”

نصائح وتجارب لا تُنسى

ورغم التحديات، يشعر محمد بالفخر بما حققه خلال رحلته في جامعة بينغهامتون، خاصة في ظل الضغوط النفسية الناتجة عن الحرب وقلقه المستمر على أسرته.

ويقول: “لم يكن من السهل الاستمرار في الدراسة وسط هذا القلق، لكنني فخور بقدرتي على التركيز وتحقيق أهدافي.”

وينسب محمد نجاحه إلى الدعم الذي تلقاه من أعضاء هيئة التدريس، من بينهم الدكتورة إيفون جونستون، والدكتورة ميشا مارزيل، والدكتور توماس فولي، الذين ساعدوه في تجاوز الصعوبات وإكمال مسيرته الأكاديمية.

ويختتم بنصيحة مستمدة من تجربته: “لا تنتظر حتى تصل إلى مرحلة الإرهاق لطلب المساعدة. احرص على بناء شبكة علاقات مع زملائك وأساتذتك. ستتعلم الكثير منهم، وإذا واجهت شيئًا لا تعرفه، لا تتردد في السؤال، فالدعم موجود دائمًا.”

Exit mobile version