“لا ينبغي النظر للتعليم في السودان باعتباره جزءاً من الصراع”.. مع الدكتور صديق أمبده حول المبادرة القومية الطارئة لأزمة امتحانات الشهادة السودانية 2026

منتدى الإعلام السوداني
يوسف حمد
في الثالث عشر من مارس المنصرم، قدَّمَتْ (المبادرة القومية لدعم امتحان الشهادة السودانية)، التي أسَّستها في فبراير الماضي مجموعة من المهتمين بشأن التعليم والمعلمين والأكاديميين والفاعلين في المجتمع المدني، مُذكرةً وجهتها إلى أهل السودان، دعت فيها إلى التريث في عقد امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام 2026، والبحث عن حلول عملية لإلحاق الطالبات والطلاب الذين حُرموا من الجلوس في الامتحانات السابقة، بسبب الحرب.
تواصلت المبادرة مع الحكومة التي شُكِّلت في مناطق سيطرة الجيش، وكذلك مع الحكومة التي شكلها (تحالف تأسيس) بنيالا، للتوصل إلى الحلول المُمكنة لتمكين الطلاب في مناطق سيطرة الطرفين من أداء الامتحانات. إلى جانب ذلك قدمت عدداً من الوثائق من ضمنها وثيقة المجتمع المدني، وغيرها.
في هذه المقابلة التي ينشرها (منتدى الإعلام السوداني) بالتزامن مع مجلة “أتر”، وجّهنا أسئلتنا إلى الدكتور صديق أمبده وهو اقتصادي، ربط من خلال دراساته، بين قضايا الاقتصاد والتنمية والتعليم في السودان. التقيناه بوصفه عضو المبادرة، ليحدثنا عن آمال المبادرة والخطوات التي اتخذتها، وآفاق التعليم في السودان.
حصل أمبده على الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة لندن 1979، وهو أستاذ مشارك بجامعة الخرطوم ورئيس شعبة الاقتصاد بكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية سابقاً، وباحث في قضايا التعليم والتنمية، وله من الإصدارات المنشورة بالعربية: “قلم التعليم وبلم المتعلمين – مقالات في التعليم والتنمية”، صدر في 2017، و”واقع التعليم العام في السودان وتحديات الإصلاح”، الصادر في 2015، و”التنمية مفتاح السلام في دارفور” في العام 2004، و”سياسات القبول للتعليم العالي في السودان” الصادر في 1988.
- أطلقتم مُؤخَّراً مبادرة لمُعالجة أزمة امتحانات الشهادة السودانية، خاصة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى، ما الذي تسعى إليه هذه المبادرة في هذا التوقيت؟ كيف تشكّلت على نحوٍ عملي؟
يُمكنني القول إن هذه المبادرة جاءت على وزن “أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي”. وبالتالي، فإن الهدف الرئيس، هو تسليط الضوء على امتحان الشهادة السودانية، والطلاب الذين لم يتمكنوا من الامتحان في الأعوام الماضية، في العام الأول من نشوب الحرب، إضافة إلى العامين التاليين اللذين اعترتهما إشكاليات. ونرى في المبادرة أنه من المُهمّ إلحاق الطلاب المُتأخّرين في مناطق كردفان ودارفور والنيل الأزرق بالامتحان، وكثير من هذه المناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، ولا سبيل للطلاب من تلك المناطق سوى الانتقال إلى مناطق سيطرة الحكومة السودانية للجلوس للامتحان، وقد مضى على تأخرهم بطبيعة الحال سنتان أو ثلاث. لقد كانوا على وشك الامتحان في أبريل 2023 شهر اندلاع الحرب، ومن ثم أُجِّلت امتحاناتهم. أقول إن الهدف الرئيس للمبادرة هو تمكين هؤلاء الطلاب والطالبات المحرومين من الامتحانات واللحاق بها ما أمكن ذلك.
ولم تنطلق المبادرة من جهة سياسية أو إطار تنظيمي رسمي، بل بدأت من مجموعة من الأشخاص الذين يجمعهم اهتمام مشترك بالتعليم، وشعور عميق بالمسؤولية تجاه الطلاب في ظل الظروف الراهنة.
ومع مرور الوقت اتَّسعت دائرة النقاش، وشارك فيه عددٌ كبيرٌ من الأشخاص، ربما تجاوز المائة في مراحله الأولى. وكان الجامع بينهم جميعاً هو الدافع الإنساني الواضح، والشعور بأن هناك خطراً حقيقياً يُهدِّدُ مُستقبل جيل كامل إذا لم يجرِ التدخُّل. ومن المهمِّ التأكيدُ هنا على أن المبادرة لم تكن، في أي مرحلة من مراحلها، مُرتبطةً بأجندة سياسية أو اصطفاف مُعيَّن.
وفي هذا السياق، كان دور (لجنة المعلمين) محورياً للغاية، لأنهم الأكثر دراية بالجوانب الفنية المرتبطة بالامتحانات. فهم ليسوا فقط جزءاً من العملية التعليمية، إنما على علاقة وثيقة بإدارة تفاصيلها اليومية، ويعرفون بدقة كيفية إعداد امتحان الشهادة السودانية، وآليات تأمينه، وتنظيمه، والإشراف عليه، فضلاً عن عمليات التصحيح وإعلان النتائج. وهذه مسائل لا يمكن التعامل معها بنحوٍ سطحيٍّ أو نظري، لأنها تتطلَّب خبرةً عملية تراكمت عبر سنوات طويلة. لذا، فإن وجود المعلمين داخل المبادرة منحها بعداً عملياً واضحاً، وأسهم في تحويلها من مجرد نقاش فكري إلى مقترح قابل للتطبيق.
أما الفكرة الأساسية التي انطلقت منها المبادرة، فهي في جوهرها بسيطة لكنها عميقة الدلالة: التعليم حق أساسي، ولا ينبغي أن يتأثر بالحرب أو يُعلّق بسببها. فالطلاب ليس لهم أي ذنب في ما يحدث، ولا يجوز أن يتحمَّلوا تبعاته على حساب مستقبلهم. ومن هنا جاءت الحاجة إلى إيجاد حل عملي يضمن لهم فرصة عادلة للجلوس للامتحان. لن نتحدث هنا عن دفعة دراسية واحدة، بل عن جيل كامل، لا ينبغي أن يُترك خلف الركب بسبب ظرف قاهر. فالتعليم ليس رفاهية يمكن تأجيلها، إنما ضرورة، وإذا استطعنا الحفاظ عليه، حتى في هذه الظروف المعقدة، فإننا نكون قد وضعنا حجر أساس مهم لمستقبل السودان.
- هل فتحتم قنوات اتصال مع الطرفين، للوصول إلى حلول؟ وما مستوى الاستجابة الذي لمستموه منهما؟
أجرينا اتصالات مع حكومة (الأمل) ببورتسودان وحكومة (تأسيس) بنيالا، عن طريق لجنتين مختلفتين للاتصال. تواصلنا مع عدد من الأفراد على درجات مختلفة من التأثير في حكومة الأمل، بما في ذلك الدكتور كامل إدريس، بوصفه رئيس الوزارء، وشخصيات أخرى، لكن حتى هذه اللحظة لم نلمس استجابةً أو رداً واضحَيْن، ونحاول الاتصال باستمرار بالسلطات التي تتخذ القرار السياسي في مثل هذا الموضوع.
من ناحية أخرى، اتصلنا بحكومة (تأسيس)، وهناك محاولة للاجتماع معهم لمناقشة بعض التفاصيل أو إذا كانت لديهم بعض الأسئلة حول تفاصيل المبادرة. في تقديري أنه إذا أبدت أيٌّ من الجهتين أيَّ تحفظات سنُحاول حلها. واقترحنا لجنة فنية- غير سياسية- لحل المشكلات الخاصة بالجلوس ووضع امتحان الشهادة وتأمينه وتوصيله ومراقبته. وسنضع تحفّظات الجهتين في طاولة كل منهما، لكي يكون الحل الذي تقترحه اللجنة الفنية مقبولاً من ناحية منطقية وعملية، دون إخلال بالشروط المطلوبة أو تحفظات كل منهما. وفي النهاية نحن فاعلون نُقدم المقترحات ونجيب عن الأسئلة المطروحة ونطرح حلولاً ما أمكن. ورغم الاستجابة الأولية للحكومة المكونة من قبل تحالف (تأسيس) يظل الموضوع معقداً، ولا يمكن حله بسهولة أو في وقت قصير. علينا أن نكون واقعيين.
- كيف ترى تأثير العامل السياسي على مسألة امتحانات الشهادة؟
برز العامل السياسي بشكل أوضح عندما ظهرت مسألة وجود امتحانين منفصلين، حيث أعلنت جهة عن تنظيم امتحان في أبريل، بينما أعلنت جهة أخرى عن امتحان في يونيو. هذا التطور لم يكن مجرد اختلاف في المواعيد، بل خلق واقعاً معقداً للغاية، وطرح تساؤلات جوهرية: هل سيكون هناك مساران تعليميان مختلفان؟ هل سيتم الاعتراف بنتائج كلا الامتحانين؟ وما مصير الطلاب الذين قد يجدون أنفسهم بين هذين المسارين؟
في هذا السياق، تبلورت فكرة المبادرة بصورة أشدّ وضوحاً، بوصفها محاولة لتفادي هذا الانقسام، وإيجاد صيغة مشتركة تضمن حقوق الطلاب. وكان المنطلق بسيطاً من حيث الفكرة، لكنه مهم من حيث المبدأ: إذا كان من الممكن للطرفين التوصل إلى تفاهمات في قضايا أخرى– مثل قضية انسياب البترول – رغم الخلافات السياسية، فمن باب أولى محاولة التوافق حول التعليم، لأنه قضية تمس المجتمع بأكمله.
وفي نهاية المطاف، يعتمد نجاح أي مسار من هذا النوع على توفر الإرادة السياسية. إذا وُجدت هذه الإرادة، فإن الوصول إلى حلول يظل ممكناً، خاصة وأن هناك سوابق جرى فيها التوصل إلى اتفاقات في مجالات أخرى. وهذا يدل على أن الاتفاق، من حيث المبدأ، ممكن، ويمكن أن يمتد ليشمل التعليم أيضاً. لكن في نهاية الأمر، نحن لا نملك القرار، بل نقدم مقترحاً، ونأمل أن يُنظر إليه بجدية.
- مع اقتراب موعد الامتحانات المُعلَن منتصف أبريل، ما المقترح العملي الذي تقدمونه الآن؟ هل تقترحون التأجيل، أم إعادة التنظيم، أم صيغة بديلة أخرى؟
تعلمون أن حكومة (الأمل) “بورتسودان”، قد قرَّرَتْ عقد الامتحانات في أبريل، وحكومة (تأسيس) تُعِدُّ للامتحانات في يونيو بحسب ما أعلنت. نحن ندعو إلى امتحان موحد في مناطق سيطرة الطرفين.
ومن الواضح أنه من الصعوبة بمكان تأجيل الامتحان المقرر في أبريل حالياً، لضيق الوقت وصعوبة التواصل مع الجهات المُختلفة. لقد بدأت مجهوداتنا منذ منتصف فبراير الماضي، وكنا نأمل في أن نصل بسرعة إلى الجهات المعنية بأن تُجري الموافقة على التأجيل، لذا نرى أن المقترح العملي هو إجراء امتحان بديل في أقرب فرصة مُمكنة للطلاب الذين لم يتمكنوا من الجلوس، في مناطقهم.
وهناك سوابق في امتحان الشهادة السودانية يُمكن الاستعانة بها. إذن الحل الآن هو امتحان بديل بنفس المواصفات ونفس الجودة في أي زمن يجري الاتفاق عليه. المقترح من جانب المبادرة مرهون أيضاً بالتواصل مع الجهات المختلفة، وأن يجلس الطلاب المتأخرون للامتحان في أماكن وجودهم. لقد جاء هذا الحل نتيجة لنقاش مستفيض وتجارب سابقة.
الحقيقة أن عدد الطلاب والطالبات المحرومين من الامتحان كبير ويكاد يكون ما بين 250 و280 ألف طالب بحسب تقديرات بعض المواقع، كما أن ترحيلهم من أماكنهم صعب، هذا فضلاً عن التكاليف الأخرى من ناحية أمنية أو مادية. نسعى لأن يتمكن الطلاب من الجلوس وأهلهم مطمئنون عليهم وفي البيئة التي يعيشون فيها. وقد استشرنا في ذلك جهات فنية لديها تجارب دولية مختلفة. نرى في المبادرة أن هذا هو المقترح المعقول، فليس من الممكن ترحيل هذه المجموعات إلى مكان معين للجلوس للامتحان، خاصة مع الوضع الأمني وارتفاع تكاليف السفر والتنقل.
- ما توقعاتك في حال لم تتوصل الأطراف إلى اتفاق؟
في حال عدم التوصل إلى اتفاق، من المرجح أن يستمر كل طرف في تنفيذ امتحانه بنحوٍ مُنفصل. لكن هذا لا يعني أن المبادرة ستفقد قيمتها أو تتوقف. يمكن أن تتحول إلى إطار أوسع لمعالجة قضايا التعليم بشكل عام، لأن الأزمة لا تقتصر على الامتحان وحده، إنما تشمل تعطّل المدارس، وأوضاع المعلمين، وخروج عدد كبير من الطلاب من العملية التعليمية.
وفي هذا السيناريو، سيكون التأثير على الطلاب كبيراً، خاصة إذا لم يكن هناك اعتراف بالشهادات. قد يجد الطلاب أنفسهم أمام خيارات محدودة، أو أمام شهادات لا تُعترف بها في بعض المناطق أو المؤسسات، ما يزيد من حالة عدم اليقين، ويضعهم في وضع بالغ التعقيد. لذلك، من المهم العمل على تجنب هذا السيناريو، أو على الأقل الحد من آثاره قدر الإمكان.
- ما المخاطر إذا ما استمر حرمان الطلاب من الامتحان؟
المخاطر كبيرة للغاية، ولا تقتصر على الجانب التعليمي فقط. الطالب الذي يُحرم من أداء الامتحان لسنة أو أكثر، دون أن يكون له ذنب في ذلك، قد يشعر بإحباط شديد، وهذا الإحباط قد يتراكم ويتحول إلى فقدان للأمل. وفي بعض الحالات، قد يدفع ذلك إلى الانخراط في مسارات سلبية أو غير آمنة. لذلك، فإن التعليم يؤدي دوراً مهماً كآلية للحماية الاجتماعية، لأنه يمنح الشباب أفقاً، ويُبقيهم مرتبطين بمسار إيجابي ومنتج.
- هناك من يقترح نقل الطلاب إلى مناطق آمنة لأداء الامتحان، هل ترى ذلك حلاً؟
قد يكون هذا الحل مناسباً في بعض الحالات المحدودة، لكنه لا يصلح حلاً عاماً. هناك تحديات عديدة، منها التكلفة العالية، والمخاطر الأمنية المرتبطة بالتنقل، إضافة إلى صعوبات لوجستية كبيرة. كما أن هناك اعتبارات اجتماعية، خاصة في ما يتعلق بالطالبات، حيث قد لا تكون الأسر مستعدة لإرسالهن لمسافات طويلة في ظروف غير مستقرة.
لذلك، يظل الخيار الأكثر واقعية هو محاولة إجراء الامتحان في أماكن وجود الطلاب، بدلاً من نقلهم إلى مناطق أخرى، رغم أن هذا الخيار أيضاً ليس خالياً من التحديات.
- هل يمكن أن تؤدي المؤسسات والمنظمات الدولية دوراً في هذا الملف؟
نعم، يمكن أن يكون لها دور مهم، خاصة في الجوانب اللوجستية والفنية. فقد جرى التواصل مع جهات، مثل اليونيسف والاتحاد الأوروبي وبعض مؤسسات الأمم المتحدة، وهي تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع قضايا التعليم في ظروف النزاعات.
لكن هذه الجهات لا تتحرك عادة إلا في حال وجود قدر من التفاهم بين الأطراف المحلية. ويمكن أن يشمل دورها تقديم الدعم الفني، والمساعدة في تأمين الامتحانات، وتوفير وسائل النقل، والمساهمة في التنظيم. ومع ذلك، فهي لا يمكن أن تفرض حلاً، ولا ينبغي أن تُعتبر بديلاً عن القرار الوطني.
- هل لديكم إحصائيات بمناطق وجود هؤلاء الطالبات والطلاب المحرومين؟ مثلا بدارفور أو كردفان، في مناطق سيطرة الدعم السريع؟ أم تعنون كذلك الذين لجأوا إلى دول الجوار كتشاد ومصر ويوغندا وغيرها؟
الطلاب والطالبات المقصودون هم الذين تأثروا بالحرب أكثر من غيرهم في مناطق تحت سيطرة الدعم السريع والجيوب الأخرى المتنازع عليها في دارفور وكردفان. أما الطلاب في دول الجوار فقد تمكَّنَ جزءٌ منهم من اللحاق بالامتحانات التي نُظِّمت فيها سواء في تشاد أو يوغندا أو غيرها. لكن خلاصة المبادرة هي أن نُمكّن الطلاب والطالبات الذين لم يُمتَحنوا من الجلوس للامتحان بالصورة التي يجري الاتفاق عليها من ناحيه فنية. وهنا أعني أن التفاصيل الفنية متروكة للحوار مع الجهات الفنية التي بإمكانها حل المشكلة على نحو شامل. والمبادرة، كما قلت لكم، معنية بالطلاب والطالبات داخل السودان في مناطق المناطق سيطرة الدعم السريع والجيوب الأخرى التي لا يتوافر فيها الأمن بنحوٍ كافٍ، وجزء منها يمكن أن يكون في ولاية النيل الأزرق وجزء آخر في ولاية غرب كردفان.
- أشرت في حديثك إلى ما بين 250 و280 ألف طالب وطالبة حُرموا من الامتحانات، كيف توصلتم إلى هذه التقديرات في ظل تعقيدات الوصول إلى بعض المناطق؟ هل هناك معلومات أو تفاصيل عن أماكن وجود هؤلاء الطالبات والطلاب المحرومين؟
قد لا تكمن الحرب الشخص من الوصول إلى أي يقنيات، أو الاستيثاق من أي معلومات. هذه المعلومات تقديرية. وهذا الرقم مُعتمِد على عدد الطلاب الذين لم يجلسوا لآخر امتحان، والدفع التالية. لا تستطيع المبادرة الجزم بصحة العدد لكنه كذلك مُعتَمد لدى عدة جهات ومن ضمنها لجان في المناطق المختلفة، مثل غرف طوارئ، واللجان المُهتمّة بالتعليم، وتنظيمات المعلمين، فبدورها توصلت إلى هذا الرقم. في رأيي هذا الرقم، رغم أنه تقديري، لكنه مقبول ومتناسب مع ما حدث خلال السنوات السابقة.
وفي ظل حركة النزوح الكبيرة والمتغيرة في البلاد، وتدمير المدارس وتحوُّل بعضها إلى دور إيواء للنازحين، فضلاً عن التغيرات التي قد تحدث حتى في المناطق الآمنة، يصعب تحديد أماكن وجود هؤلاء الطلاب. في الوضع الطبيعي يسهل تحديد الأماكن بالطبع، لكننا نُعوِّل على الجهات المسؤولة في حال قبلت بمبادرتنا في حصر الطلاب وتحديد أماكنهم.
- كيف ترد على اتهامات أطروحات المبادرة بالمثالية في ظل الواقع الحالي؟
قد يبدو هذا التوصيف صحيحاً للوهلة الأولى، خاصة إذا نظرنا إلى حجم التعقيدات السياسية والعسكرية القائمة. لكن في تقديري، إذا لم نحاول طرح حلول، حتى وإن بدت صعبة أو بعيدة المنال في البداية، فلن نصل إلى أي نتيجة. كثير من الحلول التي نراها اليوم واقعية، بدأت في الأصل كأفكار غير قابلة للتطبيق، ثم تطورت تدريجياً عبر النقاش والتجريب والتعديل.
لا تدّعي هذه المبادرة لنفسها أنها حلاً نهائياً أو أنها مضمونة النجاح، لكنها تمثل محاولة جادة يمكن البناء عليها وتطويرها. وإذا كانت هناك تحفظات على بعض جوانبها، فمن الأفضل طرح هذه التحفظات بنحوٍ واضح، ومناقشتها في إطار فني ومنهجي، بدلاً من رفض الفكرة من أساسها. وهنا تحديداً يبرز دور اللجنة الفنية، لأنها الجهة القادرة على تحويل هذه التحفظات إلى أسئلة عملية، ثم إلى حلول قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
- ما الدور الذي يمكن أن تؤديه اللجنة الفنية المقرحة من قبل المبادرة؟
اللجنة الفنية تمثل عنصراً حاسماً في أي حل محتمل، لأنها الجهة التي تتعامل مع التفاصيل العملية الدقيقة. فهي المعنية بالإجابة عن أسئلة مثل: كيف يتم إعداد الامتحان؟ كيف يمكن تأمينه في ظل هذه الظروف؟ كيف يتم توزيعه على مراكز مختلفة؟ وكيف تُدار عملية التصحيح بما يضمن النزاهة والعدالة؟
وفي تجارب سابقة، كانت هناك احتياطات عملية، مثل إعداد أكثر من نسخة للامتحان، بحيث يمكن استخدام نسخة بديلة في حال حدوث أي خلل أو تسريب. هذه أمور فنية دقيقة، وتتطلب خبرة متخصصة، ولا يمكن أن تكون محل قرارات سياسية مباشرة، لأنها تعتمد على اعتبارات مهنية بحتة.
- هل يمكن أن تستمر المبادرة حتى لو لم تُحقِّق هدفَها الأساسي؟
نعم، يمكن أن تستمر، بل وربما تتطور إلى إطار أوسع. فالمبادرة في وضعها الحالي تركز على قضية الامتحان، لكنها في جوهرها تفتح الباب لمعالجة قضايا أعمق في قطاع التعليم. يمكن أن تمتد لتشمل إعادة تشغيل المدارس، ودعم المعلمين الذين تضرروا من الحرب، وإعادة دمج الطلاب الذين خرجوا من النظام التعليمي، سواء بسبب النزوح أو الظروف الاقتصادية أو الأمنية.
هذه القضايا مترابطة بطبيعتها، ولا يمكن فصلها عن بعضها. وفي تقديري، أن المجتمع لديه قابلية كبيرة لتقبّل مثل هذه المبادرات، لأن التعليم قضية تمس الجميع دون استثناء. تكاد لا توجد أسرة لا تضم طالباً أو أكثر، وبالتالي فإن الاهتمام بالتعليم ليس شأناً نخبوياً، بل هو مسألة عامة. كما أن تنوع الخلفيات التي جاء منها المشاركون في المبادرة يعكس أنها ليست مرتبطة بجهة بعينها، وهذا يمنحها قدراً من المصداقية ويجعلها أكثر قبولاً.
- برأيك، هل تنطلق المبادرة من أنها تريد أن تُثبت حق الطلاب الجلوس للامتحان والحصول على درجات تؤهلهم لدخول الجامعات والمعاهد العليا وما إلى ذلك؟ ما الظلال السياسية الناتجة من حرمان هؤلاء الطلاب والطالبات، التي يُمكن أن تدرأها المبادرة، خاصة أن هناك من يتحدثون عن انقسام البلاد أو تعميق الانقسام؟
هذا سؤال مهم ومشروع في هذا الوضع الذي نعاني منه. كما تعلمون فالتعليم حق إنساني مشروع ومُقرًّر ومتفق عليه في المواثيق العالمية المختلفة والتي وقّع عليها السودان. وفي تقديري أن التعليم حق شأنه شأن الغذاء والمياه والهواء. إذن ماذا سيكون الشخص دون تعليم؟ لن يستطيع أحد دون تعليم أن يقدم شيئاً لوطنه ولا لذاته ولا لمحيطه الأسري أو الاجتماعي. كذلك من البداهة أن التعليم يُوفِّرُ فرصاً لاكتساب الرزق. ومن هنا تنبع الأهمية الشديدة للشهادة السودانية وحق الطلاب في الامتحان. ظل التعليم في البلاد النامية أو الفقيرة هو العامل الأساسي في خروج الناس من منطقة الفقر إلى منطقة أفضل، لأنه يقدم خيارات أفضل في الحياة وفي السلَّم الاجتماعي. لذا يتعيَّنُ على المجتمع والجهات الرسمية والأطراف الضالعة في الحرب أن تُهيِّئ الفرصة لامتحان الشهادة السودانية الذي يوفر فرصة لهؤلاء التلاميذ والتلميذات في أن تنفتح أمامهم خيارات غير محدودة، أولها التعليم العالي الذي يوفر خيارات كسب العيش. وهذا يعني أن قيمة الفرد تُحقق للدولة إمكانيات في التطور والتقدم، لأن هؤلاء الطلاب والطالبات فيهم نوابغ في مجالاتهم. وهذا ما يقودني إلى التفاوتات المختلفة في التعليم والتنمية في الفترات السابقة.
وبالطبع هناك ظلال سياسية، لكن فلنفرّق بين الظلال السياسية للحرمان من الجلوس للامتحان والتعليم عامة وبين أن هذه المبادرة لها علاقة بالحق الإنساني والأخلاقي في جلوس الطلاب والطالبات للامتحان في المقام الأول. فهؤلاء ليس لهم ذنب في الحرب، وهم يكتوون بها حقيقة بالنزوح واللجوء. إن حرمان هؤلاء الطلاب يعطي مؤشرات لمستقبل السودان، وهذه المؤشرات مرتبطة بالماضي. فبالأصل معظم هؤلاء الطلاب والطالبات في مناطق الهامش الجغرافي والإثني، وتاريخياً لم تقدم لهم الدولة السودانية منذ استقلالها التعليم بدرجة كافية تجعلهم متساوين مع رصفائهم في بقية أنحاء السودان. وأعني بالهامش الجغرافي مناطق الشرق والنيل الأزرق ودارفور، وجنوب السودان قبل استقلاله. وهذا ما توصلت إليه خلال بحث أجريته منذ ما يقارب 40 سنة.
- ليتك أوضحت لنا علاقة تعثر العملية التعليمية بالفوارق التنموية في السودان، خاصة أن لك دراسات وبحوث منشورة في هذا المجال.
في العام 1987 ذهبت إلى وزارة التخطيط في الخرطوم، وفوجئت بأنه ليست لديها مؤشرات للتفاوت التنموي بين أطراف السودان المختلفة، وكان ذلك شيئاً لا يُصدَّق بالنسبة لي، فكيف يمكنك أن تضع خططاً للبلاد دون أن تنظر إلى الجهات المختلفة في السودان، وتضع مؤشرات على التفاوت التنموي بينها، لتُقرّبها من بعضها بعضاً. فإذا وجدت مثلاً أن نسبة المدارس إلى السكان كانت أقل في بعض الولايات أقل، فعليك أن توصل تلك الولايات إلى مستوى متوسط، دون تحرم الولايات الأخرى التي تتمتَّع بنسبة أعلى، وهكذا.. وهذا ينطبق على جميع القطاعات كالصحة والنقل والكهرباء والطرق ونقاط البوليس وغيرها. وهذا بالطبع يعتمد على الموارد الموجودة والميزانيات الموجودة والأقاليم الأقل حظاً.
في العام 1984، قبل أربعين سنة تقريباً، كان يبلغ عدد الطلاب المقبولين من الخرطوم في كلية الطب بجامعة الخرطوم- وهي من كليات الرغبة الأولى وأحد محدِّدات ارتقاء السلم الاجتماعي– أكبر بنحو خمسة أضعاف من أقاليم كردفان وجنوب السودان ودارفور والإقليم الشرقي مجتمعة، وهي تمثل حوالي 66% من السكان. وفي 2014 بلغت نسبة أبناء الرّحل خارج التعليم حوالي 76%، وهؤلاء أصبحوا رصيداً لما يحدث الآن. وقد ذكرت أمثلة مشابهة في كتابي “قلم التعليم وبلم المتعلمين”. من هنا أستطيع القول بأن استمرار تجاهل الطلاب في الهامش الجغرافي يعني استمرار اتساع الفوارق والتفاوت التنموي في البلاد.
وفي حديثي لمؤتمر صحفي عقد للمبادرة، قلت إن الناس إذا لم يَنتبهوا إلى هذه الفوارق والحرمان من مواصلة العملية التعليمية، فإن هذا سيصبُّ بنحوٍ أو بآخر في استمرار الحرب، لأن هذا الحرمان سيفتح أمام الطلاب والطالبات باب الانزلاق إلى مهاوٍ أخرى لا تُحمد عقباها، بدلاً عن فتح إمكانات التقدم ورفع أهليهم من من الفقر ومساهماتهم في بناء السودان.
- استشهدتَ بخلفية من الأرقام من دراساتك، التي تناولت الفوارق والتفاوت في التنمية أو في العملية التعليمية على نحو خاص. هل ترى أن هذه الفوارق هي نتيجة لسياسات ممنهجة أم نتيجة اختلالات في المنهج الذي تعاملت به الدولة الوطنية مع التعليم وانسحب ذلك على بقية القطاعات؟
قد يقول البعض، إن ذلك كان مقصوداً، لكن لا أعتقد أن هناك من تقصَّد هذه المسألة، وفي الغالب أنها نابعة عن قصر نظر، وربما أنها نتيجة لقلة المشاركين في السلطة من أقاليم الهامش، فلربما كانوا قد نبهوا الحكومات بمنح هذه الأقاليم حقها. إن تكرار الأمر على مستوى الحكومات الوطنية، سواء أكانت عسكرية أم مدنية، لهو دليل على قصر النظر الشديد في ما يختص بتوجه الدولة نحو الأطراف. وهو ما يمكن أن نسميه إهمالاً أيضاً.
كان من المفترض لو كُلِّفَ أحدهم للتخطيط للتعليم أن يبحث عن المشكلة أولاً، ويفحص على أي أساس تُنشأ المدارس؛ خاصة أنه من الملاحظ أن عدد المدارس غير متناسب مع عدد السكان في عدد من الأقاليم. ولقد وضع المستعمرون قبل استقلال السودان نظاماً، أهملته الحكومات الوطنية المتعاقبة، وفي الوقت ذاته لم تبتدع الأخيرة منهجاً يتناسب مع مُقدَّرات البلاد ومصلحة المواطنين؛ وانسحب هذا الأمر على كثير من القطاعات، كالعلاقات بين الرعاة والمزارعين مثلا في دارفور وكردفان، وعلى التعليم والصحة والأمن. وكل هذا هو نتيجة مباشرة للتخطيط القاصر.
في هذا الصدد، أذكر أن ميزانيات مجالس مثل جنوب دارفور والقضارف، وكانت من أعلى المجالس في الإيرادات، يذهب الفائض منها إلى الحكومة المركزية، بدلاً عن صرفها على التنمية بإنشاء مدارس إضافية أو مشاريع تنموية مثلاً أو غير ذلك. حدث ذلك نتيجة لعدم وضوح رؤية الحكومات الوطنية. ولا أدل على ذلك أكثر من شعار “تحرير لا تعمير”، الذي رفعه بعض آباء الاستقلال، فتأملوا!
- ما الرسالة الأساسية التي تود إيصالها؟
الرسالة الأساسية هي أن التعليم يجب أن يكون أولوية، حتى في ظل الحرب. لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الصراع، بل يتعين تحييده قدر الإمكان. الطلاب ليس لهم ذنب فيما يحدث، ويجب أن نضمن لهم فرصة عادلة.
نحن نتحدَّث عن جيل كامل، وإذا لم يجرِ التعامل مع هذه القضية بجدية، فقد تكون لذلك آثار طويلة المدى على المجتمع بأسره. التعليم لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد، والاستقرار، ومستقبل البلاد. وفي المقابل، فإن الحفاظ على التعليم، حتى في هذه الظروف، يُمكن أن يكون مدخلاً مهماً لإعادة البناء. لذلك، فإن القضية لا تتعلق بامتحان فقط، بل بمستقبل كامل يتعين علينا حمايته.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المقابلة مع الباحث في حقل التعليم، الدكتور صديق أمبده، وهي من إعداد (غرفة الأخبار بمنتدى الإعلام السوداني)، لتتناول الأزمة الناجمة عن حرمان ما يقدر بـ 280 ألف طالب وطالبة من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية لهذا العام، وما الحلول العملية لتلافي التأثير المستقبلي لهذا النوع من الحرمان.
وفي هذه المقابلة يحذر الدكتور أمبده من “مؤشرات سالبة لحرمان هؤلاء الطلاب”، ويقول إن هذه المؤشرات مرتبطة بالماضي. ويشير إلى أن معظم الطلاب والطالبات الذين بواجهون المعضلة الراهنة يتواجدون في مناطق الهامش الجغرافي والإثني. وتاريخياً لم تقدم لهم الدولة السودانية منذ استقلالها التعليم بدرجة كافية تجعلهم متساوين مع رصفائهم في بقية أنحاء السودان.





