السادس من أبريل… ذاكرة الثورة ونداء الوطن

طارق فرح
يحتل السادس من أبريل مكانةً خاصة في التاريخ السياسي السوداني؛ فهو ليس مجرد تاريخٍ عابر، بل محطة تتجدد فيها معاني الإرادة الشعبية كلما حاول اليأس أن يتسلل إلى النفوس. ففي هذا اليوم عبّرت الجماهير عن قدرتها على تغيير مجرى التاريخ حين تتوحد كلمتها ويعلو صوتها.
في 6 أبريل 1985 خرج السودانيون إلى الشوارع معلنين نهاية حقبةٍ استبدادية، ومؤكدين أن إرادة الشعوب قادرة على إسقاط الطغيان مهما طال الزمن. وبعد أكثر من ثلاثة عقود عاد التاريخ مرة أخرى في 6 أبريل 2019، حين احتشدت الجماهير أمام القيادة العامة في واحدة من أعظم لحظات الوعي الوطني والتلاحم الشعبي في تاريخ السودان الحديث.
لم يكن ذلك الحشد مجرد فعلٍ احتجاجي، بل إعلانًا واضحًا بأن السودان يسعى إلى مستقبلٍ تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُبنى فيه دولة القانون والمؤسسات. يومها كتب السودانيون صفحةً جديدة في كتاب نضالهم الطويل من أجل الحرية والسلام والعدالة.
لكن ما بين هذين التاريخين، وما تلاهما من أحداث، يكشف حقيقةً أكثر تعقيدًا: فالثورات، مهما كانت عظيمة، لا تكفي وحدها لبناء الدولة ما لم تُدر المرحلة الانتقالية بعقلٍ سياسي راشد ورؤية وطنية جامعة.
ولعل ما يمنح السادس من أبريل مكانته الخاصة في الذاكرة الوطنية ليس مجرد تكراره في محطتين تاريخيتين، بل ما يكشفه هذا التكرار من حقيقة عميقة في التجربة السودانية: أن العلاقة بين السلطة والمجتمع ظلت، في كثير من مراحل تاريخنا الحديث، محكومة بتوترٍ مستمر بين نزعة الهيمنة من جهة، وتطلع المجتمع إلى الحرية من جهة أخرى. وفي كل مرة يبلغ هذا التوتر ذروته، تتجدد قدرة السودانيين على كسر الجمود التاريخي وفرض لحظة تغيير تعيد طرح السؤال الجوهري حول طبيعة الدولة التي يريدونها.
لقد مثّل اعتصام القيادة العامة ذروة الحلم السوداني بدولة مدنية ديمقراطية، إلا أن الصراعات بين القوى السياسية، والتنافس على السلطة، وتغليب الحسابات الضيقة، والشجون الصغرى، أضعفت ذلك الزخم الشعبي، وأدخلت البلاد في سلسلة من الأزمات المتراكمة، انتهت بالحرب الدائرة اليوم، التي مزّقت النسيج الاجتماعي وأثقلت كاهل المواطنين بالنزوح والفقد والمعاناة.
هذه الحرب لم تمزق الجغرافيا فحسب، بل أصابت المجتمع في عمقه؛ فشرّدت الملايين، ودمّرت المدن، وأدخلت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث.
وفي ظل هذا الواقع المؤلم، يعود السادس من أبريل ليذكّرنا بأن قوة السودان الحقيقية ليست في فوهات البنادق، بل في وعي شعبه وقدرته على تجاوز الأزمات بالعقل والحكمة.
إن التمسك بروح الثورة اليوم لا يعني إعادة إنتاج الشعارات ذاتها، بل يعني، قبل كل شيء، العمل من أجل وقف الحرب، وتغليب صوت العقل، وتهيئة الطريق لعودة المواطنين إلى ديارهم.
فلا ثورة يمكن أن تحقق أهدافها في وطنٍ تمزقه المسيّرات، ولا مشروع وطني يمكن أن يقوم فوق أنقاض المدن ودموع النازحين.
لقد علمتنا لحظات أبريل الكبرى أن الشعب السوداني قادر على صنع التحولات التاريخية. ويبقى التحدي الآن أن يتحول ذلك الوعي إلى قوة تدفع نحو السلام، وتعيد فتح الطريق أمام مشروع الدولة المدنية الديمقراطية التي حلم بها السودانيون طويلًا.
غير أن الدرس الأهم الذي تكشفه تجربتا أبريل هو أن إسقاط الأنظمة، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان نجاح التحول السياسي. فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد لحظة الانتصار، حين تصبح إدارة الاختلافات وبناء التوافقات الوطنية شرطًا أساسيًا لحماية مكاسب الثورة. ومن دون هذا الوعي، قد تجد المجتمعات نفسها تدور في حلقةٍ مفرغة تتكرر فيها لحظات الانفجار الشعبي دون أن تكتمل عملية بناء الدولة التي خرج الناس من أجلها.
فالسودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى قرارٍ شجاع يضع حدًا للقتال، ويعيد المواطنين إلى ديارهم، ويبدأ مسارًا جادًا لإعادة بناء الدولة على أسس السلام والعدالة والحرية.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي صنعت الثورات قادرة أيضًا على صناعة السلام، وأن الأوطان لا تُبنى بالانتصارات العسكرية وحدها، بل تُبنى حين ينتصر العقل والحكمة على السلاح.
في السادس من أبريل نستعيد الذاكرة، لا لنعيش في الماضي، بل لنستمد منها القوة لحماية المستقبل.
فالسودان الذي خرجت جماهيره يومًا تهتف للحرية يستحق اليوم أن يعود وطنًا آمنًا لأبنائه؛ وطنًا يصمت فيه صوت السلاح، وتُفتح فيه الطرق أمام العائدين، ويبدأ فيه فصلٌ جديد من تاريخٍ يكتبه السودانيون جميعًا… بالعقل والأمل.
كل 6 أبريل والشعب السوداني بخير، على أمل أن نستعيد وطنًا يسع الجميع؛ وطنًا تسوده قيم المحبة والسلام، ويقوم على قبول الآخر واحترام التنوع، ليكون وطنًا آمنًا لكل أبنائه. فالأوطان لا تُبنى بالبنادق حين يطول أمد الحرب، بل بعقلٍ يختار السلام… وشعبٍ يصرّ على أن يكون الوطن أكبر من الصراع.





