الشريف الحمدابي…صوت الأرض ولسان الثورة العصي على الانكسار

كتب : أحمد عثمان محمد المبارك 

ظللتُ أتابع كل فيديوهات المناضل والسياسي الحصيف الشريف الحمدابي بشغفٍ لا ينقطع، وفي كل مرة كنت أزداد إيماناً بمدرسة هذا الرجل في الخطاب التحتي البسيط، ذلك النوع من الخطاب الذي نفتقده بشدة في ساحتنا السياسية لمخاطبة أهلنا السودانيين في الريف والحضر بلغتهم التي يفهمونها وتلامس واقعهم. إن الحمدابي لم يكن مجرد متحدث، بل كان جسراً يربط بين الوعي الثوري وبين وجدان المواطن البسيط، وهذا الجسر الرابط هو في جوهره التجلي الحقيقي لدور المثقف العضوي، ذاك الذي لا ينعزل في أبراج عاجية، بل يلعب الدور المحوري في الربط بين العامة وبين قضايا الحكم والسلطة، ليكون لسان حال الشعب أمام الحاكم ومترجماً لتطلعاتهم بلغتهم الأم.

يُعد الشريف الحمدابي أيقونة شعبية فريدة في فضاء المقاومة الرقمية السودانية، فهو ليس مجرد صانع محتوى بالمعنى التقليدي، بل هو صوت الضمير الذي ينطق بلسان البسطاء، والمدافع الجسور الذي اختار الكلمة سلاحاً في وجه آلة القمع والفساد. وفي الوقت الذي تداخلت فيه الأجندات وتعددت المنابر، برز الحمدابي كظاهرة وطنية نابعة من طين الأرض السودانية، مستخدماً هاتفه البسيط وعفويته الصادقة ليهدم عروش الزيف ويفضح مخططات الكيزان ومن شايعهم في تدمير وجدان الشعب السوداني.

إن سر عبقرية الحمدابي يكمن في لهجته بذلك اللسان الشايقي البسيط، الذي لا يحتاج إلى فذلكة سياسية أو مفردات معقدة ليصل إلى قلب المواطن في القطاطي أو الحلال أو أطراف المدن. يخاطبهم بلغة الغبش، يحلل الأحداث السياسية الكبرى بذكاء فطري يحول المعقد إلى مفهوم، مما جعل فيديوهاته مدرسة للتوعية المواطن الذي غُيب طويلاً خلف شعارات زائفة. ولم يتوقف يوماً عن تعرية نظام الإخوان الارهابي، متتبعاً عثراتهم وفسادهم التاريخي، لأنه يدرك أن المعركة الأساسية هي معركة وعي، لذا ظل يفكك خطاباتهم المضللة فيديو تلو الآخر، كاشفاً كيف استغلوا الدين والسياسة لنهب موارد البلاد وإذلال العباد. شجاعته في تسمية الأشياء بمسمياتها جعلت منه بعبعاً يطارد فلول النظام البائد، ومنارة تهدي الحيارى في زمن التضليل الإعلامي.

ولم يكن الحمدابي يوماً مجرد منتقد، بل هو حامل لمشروع الدولة المدنية الديمقراطية، فدعمه للثورة السودانية لم يكن عاطفة عابرة، بل إيمان عميق بأن السودان لا يستحق إلا العدل والمساواة وحكم القانون. هو يرى في الحكم المدني المخرج الوحيد من دوامة الحروب والفقر، وظل يبشر بهذا الفجر القادم في كل إطلالة له، مؤكداً أن إرادة الشعوب من إرادة الله. وتتجلى الدروس المستفادة من مسيرته في تلك الشجاعة الفردية التي أثبتت أن فرداً واحداً يملك الحق والمنطق يمكنه أن يواجه منظومات إعلامية ضخمة، وفي وطنيته العابرة للجهوية والقبلية؛ فرغم اعتزازه بلهجته وهويته، إلا أن همه الأول والأخير ظل السودان الوطن الواحد، مستنداً إلى استمرارية مذهلة، حيث ظل صامداً في أحلك الظروف، ولم تلن عزيمته أو يتراجع عن مواقفه رغم التهديدات والمضايقات.

إن الشريف الحمدابي هو تجسيد للمواطن السوداني الذي لا يقبل الضيم، وهو رجل الثورة الذي لم تلوثه الصراعات الحزبية، بل ظل مخلصاً لتراب هذا الوطن. إن تكريم هذا الرجل يكون بالاستماع لرسائله، وبالتمسك بالحلم الذي ينادي به سودان حر، مدني، وديمقراطي، وبضرورة بروز أصوات حرة ومشابهة تحمل ذات المشعل لتوسيع رقعة الوعي في كل شبر من أرض الوطن. سيظل صوت الحمدابي يتردد في فضاءات الوطن، مذكراً الجميع بأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن ليل الظلم مهما طال، فلا بد من بزوغ فجر الحرية.

Exit mobile version