
_*ليس مهماً من أُقيل… بل لماذا الآن* ؟_
بقلم : إبراهيم هباني
في لحظة حرب مفتوحة وتآكل مستمر في بنية الدولة، اختار عبد الفتاح البرهان أن يجري أحد أكثر التعديلات حساسية داخل المؤسسة العسكرية، بإقالة رئيس هيئة الأركان الفريق أول محمد عثمان الحسين، وتعيين ياسر العطا في موقعه. خطوة تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تعكس إعادة تعريف لمركز القرار العسكري، وطبيعة التحالفات التي يقوم عليها.
يمثل الحسين نموذج الضابط المؤسسي التقليدي، الذي تشكل وعيه داخل منظومة الجيش الكلاسيكية، حيث الانضباط والتدرج والتراتبية. أما العطا، فينتمي إلى جيل مختلف، صعد في ظل الأزمات، وتبلورت ملامحه في بيئة صراع مفتوح، تجمع بين العسكري والسياسي، وبين الميدان والخطاب التعبوي.
بهذا المعنى، لا يتعلق القرار بتبديل أسماء، بل بنقل مركز الثقل من “المؤسسة” إلى “الفاعلية”.
وفي الحروب الطويلة، تميل القيادات إلى تقديم من يملك القدرة على الحسم، حتى وإن جاء ذلك على حساب التوازنات التقليدية.
غير أن هذا التحول لا يخلو من مخاطر. فالعطا لا يتحرك فقط داخل الإطار العسكري، بل يمتد تأثيره إلى دوائر سياسية وأيديولوجية، في مقدمتها التيار الإسلامي الذي عاد إلى الواجهة عبر البوابة القتالية.
وتبرز هنا مجموعات مثل “كتيبة البراء بن مالك”، التي تطورت من قوة مساندة إلى عنصر مؤثر في معادلة الميدان، بما يطرح تساؤلات حول طبيعة الجيش الذي يتشكل: هل هو جيش دولة، أم تحالف قوى تقاتل تحت مظلة واحدة؟
في المقابل، يتراجع موقع الجنرال شمس الدين كباشي دون إعلان مباشر. لم يستبعد من المشهد، لكنه فقد جزءا من ثقله لصالح صعود ياسر العطا، في وقت ينتقل فيه مركز القرار من المؤسسات السياسية إلى غرف العمليات.
وفي مثل هذه التحولات، لا تكون الخسارة دائماً صريحة (…) لكنها مؤكدة.
العلاقة بين البرهان والعطا، في ظاهرها، تبدو متماسكة، لكنها في جوهرها علاقة ضرورة. الأول يحتاج إلى قائد ميداني قادر على ضبط إيقاع الحرب، والثاني يحتاج إلى شرعية سياسية تكرّس موقعه.
غير أن مثل هذه المعادلات تظل بطبيعتها هشة، وقابلة لإعادة التشكل مع تغير موازين القوة.
التجارب في السودان وخارجه تشير إلى أن مراكز النفوذ داخل الجيوش لا تبقى ثابتة. فمن يمنح الصلاحيات اليوم، قد يتحول إلى صاحب القرار غدا. ومع تزايد دور الفاعلين غير التقليديين داخل المؤسسة العسكرية، يصبح من الصعب الفصل بين ما هو عسكري وما هو سياسي، أو بين ما هو مؤسسي وما هو أيديولوجي.
من هنا، يمكن قراءة قرار البرهان بوصفه محاولة لإعادة الإمساك بزمام المبادرة، عبر الاعتماد على شخصية قوية ومؤثرة في الميدان. لكنه، في الوقت نفسه، يفتح الباب أمام إعادة تشكيل توازنات قد لا يمكن السيطرة عليها بالكامل.
في الحروب، قد يكون تعزيز الحلفاء ضرورة. لكن التاريخ يقول إن أخطر التحولات (…) تبدأ حين يصبح الحليف أقوى مما ينبغي.