إستهداف مستشفى “الجبلين” يفاقم المأساة الإنسانية 

أفق جديد

في تصعيد خطير للأوضاع الإنسانية، شهدت مدينة “الجبلين” بولاية النيل الأبيض هجومًا داميًا استهدف المستشفى الرئيسي بالمدينة، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، بينهم كوادر طبية وأطفال.

الوضع الصحي في السودان بسبب الحرب يُعد من أسوأ الأوضاع الإنسانية والصحية في العالم حاليًا، مع انهيار شبه كامل في النظام الصحي وتفاقم الأمراض والمجاعة.

وحسب تقارير رسمية، فإن أكثر من 37% من المرافق الصحية خارج الخدمة بسبب القصف أو التدمير أو النهب، وفي في بعض المناطق مثل الخرطوم، تضرر نحو 75% من المستشفيات وتوقفت عن العمل، والمستشفيات أصبحت أحيانًا ساحات قتال أو مقرات عسكرية وتعاني نقصًا حادًا في الأطباء والكوادر والأدوية والمستلزمات والوقود والكهرباء.

 

هجوم مفاجئ

أفاد محمد عبد الله وهو أحد الكوادر الطبية الناجين لـ”أفق جديد”، أن الهجوم وقع بشكل مفاجئ أثناء تنفيذ حملة تطعيم للأطفال داخل المستشفى.

وأضاف: “كنا نستعد لاستقبال المزيد من الأمهات والأطفال، وفجأة سمعنا صوت الانفجار. تحولت الأقسام إلى حالة من الفوضى، وسقط زملاء لنا أثناء محاولتهم إنقاذ المرضى”.

وأكد أن النقص الحاد في الإمكانيات بعد تدمير أجزاء من المستشفى جعل التعامل مع الإصابات أكثر صعوبة، خاصة في ظل انقطاع جزئي للكهرباء وتعطل بعض الأجهزة الطبية الحيوية.

يقول أحد سكان المدينة، ويدعى أحمد البشير لـ”أفق جديد”: “هذا المستشفى هو الوحيد الذي نعتمد عليه. الآن لا نعرف إلى أين نذهب بمرضانا. فقدتُ أحد أقاربي في الهجوم، وكان ينتظر العلاج فقط”.

فيما أوضحت سيدة من ذوي الأطفال الذين كانوا في حملة التحصين: “جئنا لنحمي أطفالنا من الأمراض، فإذا بنا نواجه الموت. أصيب ابني بشظايا، ولا توجد رعاية كافية الآن”.

معاناة السكان

أدان حزب المؤتمر السوداني التصعيد العسكري في ولاية النيل الأبيض، عقب استهداف مستشفى الجبلين التعليمي بطائرات مسيّرة، في هجوم أسفر عن سقوط عدد من القتلى من المدنيين، بينهم المدير العام للمستشفى الدكتور حامد سليمان النور، والمديرة الإدارية الأستاذة إلهام حامد.

ووصف الحزب في بيان تلقته “أفق جديد”، الهجوم بأنه جريمة حرب وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، مشيراً إلى أن الهجمات امتدت لتشمل مرافق مدنية أخرى، مثل مخازن الإمداد الطبي ومحطة وقود في ربك، إضافة إلى تزايد استهداف مدينتي كوستي وربك.

وحمّل الحزب قوات الدعم السريع مسؤولية الهجوم، داعياً إلى وقف فوري لاستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة العشوائية في المناطق المأهولة، والعودة إلى طاولة المفاوضات لوقف الحرب.

ولم يقتصر التصعيد على الجبلين، إذ شهدت مدينة ربك هجمات متزامنة طالت منشآت مدنية، بينها مخازن أدوية ومستودعات وقود، ما يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من معاناة السكان في الحصول على الخدمات الأساسية.

وذكرت وزيرة الدولة للموارد البشرية والتنمية الاجتماعية د. سليمى إسحق، أن ما حدث في مستشفى الجبلين بولاية النيل الأبيض جريمة مروّعة تهز الضمير الإنساني. إن استهداف الأطفال والمرضى، وقتل الكوادر الطبية أثناء أدائهم لواجبهم خلال حملة التطعيم، يكشف عن مستوى غير مسبوق من القسوة والاستهتار بحياة الأبرياء.

وأشارت في تصريح تلقته “أفق جديد”، إلى أنه عمل ممنهج يستهدف المدنيين ضمن أعمال انتقامية تعكس وضاعة هذه المليشيا وتجردها الكامل من أي قيمة إنسانية. كما أن الاستهداف المستمر لولاية النيل الأبيض لا يعدو كونه إطالة لمعاناة السودانيين، عبر ضرب الأماكن الآمنة التي يلجأ إليها الفارون من بطش هذه المليشيا. إن الدم الذي سُفك داخل جدران مستشفى لن يُنسى، وستظل صور الضحايا شاهدة على فداحة هذه الجريمة.

ويؤكد هاشم موسى وأحد العاملين في المجال الإنساني في حديثه لـ”أفق جديد”: “عندما يُستهدف مستشفى، فإن ذلك لا يؤثر فقط على الضحايا المباشرين، بل يهدد حياة آلاف الأشخاص الذين يعتمدون عليه يوميًا”.

وأوضح أن استهداف المرافق الصحية يمثل انتهاكًا خطيرًا للقوانين الدولية، ويؤدي إلى انهيار الخدمات الطبية في مناطق النزاع.

ووفق تقارير دولية فقد تم توثيق أكثر من 200 هجوم على مرافق صحية منذ بداية الحرب. في 2026 وحدها، سُجلت هجمات جديدة أدت إلى قتلى وجرحى داخل المستشفيات؛ هذه الهجمات تقتل المرضى والأطباء، تمنع وصول الناس للعلاج، وتُسرّع انهيار النظام الصحي، وهناك أكثر من 20 مليون شخص يحتاجون رعاية صحية عاجلة، وحوالي 33.7 مليون شخص بحاجة لمساعدات إنسانية في 2026، ونزوح أكثر من 11 مليون نازح داخل وخارج البلاد.

في ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات محليًا ودوليًا لفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين عن الهجوم، مع مطالبات بتوفير حماية فورية إلى المدنيين والمنشآت الحيوية.

ويبقى المشهد في السودان مفتوحًا على مزيد من التصعيد، في وقت يدفع فيه المدنيون الثمن الأكبر وسط تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى