من كتابي (جهنم المسرح وفراديسه) السيمفونية او رحل النهار

السر السيد

   السر السيد

 قُدم العرض المسرحى الاماراتي ( رحل النهار ) فى امسية 15 يناير على مسرح محمد السادس ضمن العروض المتنافسة في مهرجان المسرح العربى في دورته ال 13 المقامة بمدينة الدار البيضاء بالمملكة المغربية من 10 الي 16   يناير 2023..   العرض من تأليف اسماعيل عبدالله ومن اخراج محمد العامرى ومن انتاج وتمثيل مسرح الشارقة الوطنى_الامارات.

تأسس العرض على حزمة من المرتكزات التقنية والجمالية و الفكرية التى تكاملت في تعميق حضوره فوق الخشبة وتعزيز تأثيره على المتفرجين ويمكن القول أن العرض نهض بصورة اساسية على مقاربة ثيمة الوطن والنزاع فيه.. يتأسس العرض على ثيمة الوطن كمكان لنزاع او لصراع طرفاه الشعب والسلطة والتى في العرض تتبدى في المستعمر، وفي الجنرال، وفي رجل الدين، والمفكر.. هذه السلط باختلاف اساليبها الا انها تشترك في قهر الشعب وفي استغلاله واذلاله.

ثيمة الوطن والنزاع فيه تشعرنا كمشاهدين وكأننا نشاهد عرضاً مسرحياً واقعياً كتلك العروض التى عرفها المسرح العربى في حقبة الستينيات عبر ما عرف بالمسرح الملتزم انذاك.

هذا المعطى الأولِى أتاح للعرض فرصة أن يكون جماهيرياً بحسبانه يناقش موضوعاً عادياً ومطروقاً ومن صميم حياة الناس.. موضوعاً يلامس العاطفة السياسية ويفجر الطاقات المكبوتة في الرغبة في الاحتجاج والرفض وفى نفس الوقت مثّل تحدياً له وذلك بسبب أن مثل هذا الموضوع، لم يعد يثير أحداً عندما يطرح بطريقة مباشرة فموضوعات القهر وغياب العدالة وغياب الديمقراطية والحرية وانعدام الخبز والدواء وغير هذا من مطالب الحياة الكريمة، ومع تطور وسائط التواصل الإجتماعي أصبحت تناقش بطريقة لا تخلو من المجاز الأمر الذى يفرض عند مناقشتها ضرورة ابتداع مسار ابداعي مختلف وخلاق كالذى قام عليه عرض ( رحل النهار ) وتميز به، فالعرض وهو يقارب موضوعاً ذو طبيعة سياسية تحرر من المسار الخطى فى احداثه وشخوصه والذى يقوم على تطور منطقى وذلك لأنه نهض على ما يشبه البعثرة او عدم الانتظام ومما ساعده في هذا، الحضور الكبير للشعر ولشعراء محدثين كأمل دنقل ودرويش وتوفيق زياد واحمد مطر والسياب وغيرهم .. هذا الحضور للشعر فرض على العرض تلك البعثرة التى جعلته يشبه السيمفونية إذ أنه نهض على سينوغرافيا تجمع المتضادات الظلام والضوء .. الأسود والابيض في ازياء الممثلين..الفراغ والامتلاء في فضاء الخشبة.. تكدس الاشياء والشخصيات، وكذلك النهل من الشعر ومن النثر واللعب في كل اتجاهات الخشبة.. هذه البعثرة أو هذا اللا نظام جعل العرض وكأنه “تمثيلٌ” للسلطة لذلك ظهرت الشخصيات التى ترمز للسلطة في الكثير من الاحيان بشكل كركتيري ( الجنرال…رجل الدين..المستعمر ).. هذا التمثيل للسلطة والذي اعنى به زحزحتها من أن تكون طرفاً في مقابل الشعب كما في المسرح الملتزم الى أن تصبح مجالاً للسخرية والتهكم وهو ما افصح عن مقولة العرض الكلية والتى هى أن ( الوطن ) أكبر من أى سلطة كانت عسكرية أو دينية أو حزبية أو طائفية بل وحتى ثورية فمن بعض ما جاء فى العرض ” ليس بالسيف يوقد النور “.

لذلك كم كان المخرج خلاقاً عندما حلق بالممثلة وهى تتغنى بالوطن وتمجده في سماء الخشبة في دلالة على تسامى الوطن وانه فوق كل سلطة… الشعر والسينوغرافيا هما ما منح هذا العرض والذى طرح موضوعاً سياسياً مباشراً بأمتياز اختلافه وجماله فقد أكد هذا العرض أننا نستطيع أن نجعل من اليومي والعادي والمباشر أن اختلافاً وجمالاً اذا أحسنا المعالجة وأننا نستطيع أن نصنع عرضاً جماهيرياً دونما اسفاف وتسطيح ولعل هنا تكمن ريادة هذا العرض وتميزه.

تحيتي تأتي صافية لفريق العمل من ممثلين و تقنيين واداريين وللكاتب الكبير إسماعيل عبدالله وللمخرج المتميز محمد العامري.

Exit mobile version