كل ماظن الاقتراب من هدفه غرست أرجله في الارض (“تعديلات هيئة الأركان” ).. البرهان في حقل الرمال المتحركة

أفق جديد

ترتفع الهمسات شيئاً فشيئاً في الكواليس الدولية والإقليمية، لكنها هذه المرة ليست مجرد تكهنات عابرة، بل ملامح قرار ثقيل يتشكل ببطء وحزم: تدخل قسري تحت مظلة البند السابع. في أروقة مجلس الأمن الدولي، تدور مشاورات معقدة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، لصياغة قرار قد يغيّر مسار الحرب في السودان جذريًا، وربما يفرض واقعًا جديدًا بالقوة لا بالتفاوض.

في المقابل، يبدو الداخل السوداني وكأنه يعيش خارج الزمن؛ عزلة سياسية خانقة، وانشغال نخبوي بصراعات صغيرة لا ترى ما يتشكل خلف الجدران الدولية. وبين هذا وذاك، يمضي  قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان قدمًا في مسار محفوف بالمخاطر، متوغّلًا أكثر في حقل من الرمال المتحركة، حيث لا ثبات ولا يقين. منذ لحظة استيلائه على السلطة، وهو يحمل مشروعًا مثقلًا بالتعقيدات، وكلما بدا أنه يقترب من غايته، ابتلعته الأرض أكثر، وتلاشت ملامح الخروج.

هكذا، تقف البلاد على حافة تحوّل حاسم: ضغط خارجي يتصاعد نحو تدخل محتمل، وداخل مأزوم يزداد انغلاقًا، في مشهد تتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى مع ارتباك الفاعلين المحليين، ليصنع واقعًا جديدًا قد يُفرض هذه المرة من خارج الحدود، لا من داخلها.

وفي موازاة هذا الحراك الدولي المتصاعد، يتحرك الداخل العسكري في السودان على إيقاع مختلف، كأنما يستبق ما يُطبخ في الخارج بإعادة ترتيب أوراقه من الداخل. فوسط حرب مستعرة منذ نحو ثلاث سنوات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أقدم عبد الفتاح البرهان على إجراء واحدة من أوسع عمليات إعادة الهيكلة داخل المؤسسة العسكرية، في خطوة تعكس سعيًا لإحكام القبضة وإعادة ضبط موازين القوة.

 

القرارات الجديدة لم تكن مجرد تغييرات إدارية عابرة، بل بدت كعملية إعادة تشكيل شاملة لمفاصل القيادة، شملت تعيين قيادات جديدة لهيئة الأركان، وإعادة توزيع الأدوار داخل الوحدات العسكرية، إلى جانب ترقية ضباط إلى رتب عليا وإحالة آخرين إلى التقاعد، في محاولة لخلق بنية أكثر تماسكًا وانضباطًا. كما برز توجه واضح لدمج القوى المساندة تحت مظلة الجيش، عبر إخضاعها لقانون القوات المسلحة، بما يعني عمليًا إنهاء حالة التعدد العسكري لصالح مركزية القرار.

بموجب هذه الترتيبات الجديدة تم تشكيل رئاسة هيئة أركان جديدة برئاسة الفريق أول ركن ياسر عبدالرحمن حسن العطا رئيساً لهيئة الأركان، والفريق الركن عبد الخير عبدالله ناصر درجام، نائباً لرئيس هيئة الأركان للإدارة.
وضمت هيئة الأركان كل من “الفريق الركن محمد علي أحمد صبير، رئيس هيئة الإستخبارات العسكرية، و الفريق الركن معتصم عباس التوم أحمد، نائباً لرئيس هيئة الأركان للعمليات، والفريق الركن حيدر علي الطريفي علي، نائباً لرئيس هيئة الأركان للتدريب، الفريق الركن خلف الله عبدالله إدريس عبدالرحمن ، نائباً لرئيس هيئة الأركان للإمداد.

تقليم اظافر

ولم يكتفِ عبد الفتاح البرهان بحزمة التعيينات وإعادة الهيكلة، بل مضى خطوة أبعد في إعادة رسم دوائر النفوذ داخل القيادة، عبر قرارات بدت أكثر حدّة ودلالة. فقد أصدر قرارًا بإلغاء القرار رقم (164)، مجرّدًا نائبه الفريق أول من موقعه كنائب للقائد العام، كما أطاح بالفريق إبراهيم جابر من منصبه كمساعد للقائد العام، في خطوة مفاجئة أربكت حسابات الداخل العسكري.

هذه القرارات، التي جاءت بلا شروح كافية، فتحت باب التأويل على مصراعيه؛ فبينما غابت المبررات الرسمية، قرأها كثير من المراقبين كإشارة مبكرة إلى إعادة ترتيب مراكز القوة، وربما بداية مسار يستهدف تضييق دائرة الشركاء داخل قمة الهرم العسكري. في نظر هؤلاء، لا تبدو الخطوة معزولة، بل جزءًا من عملية تدريجية لتقليم أظافر حلفاء الأمس، تمهيدًا لإبعادهم حين تكتمل شروط اللحظة.

وبينما تتقاطع هذه التحركات مع ضغوط خارجية متزايدة وسياق داخلي شديد الهشاشة، يتشكل مشهد جديد عنوانه صراع النفوذ داخل المؤسسة نفسها، حيث لا تقتصر المعركة على خطوط التماس في الميدان، بل تمتد إلى ما هو أعمق: مراكز القرار، وخرائط الولاء، ومن يملك الكلمة الأخيرة حين تنجلي غبار الحرب.

تصعيد عسكري

وفي قراءة موازية لهذه التحولات، يذهب رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري، ياسر سعيد عرمان، إلى أن ما يجري لا يمكن فصله عن سياق أشد تعقيدًا وخطورة تعيشه البلاد. فالسودان، بحسب تعبيره، يقف على حافة تهديد وجودي غير مسبوق، حيث تتسع هوة الخلافات، ويتآكل ما تبقى من تماسك وطني، في ظل حرب لا تجمع أطرافها بقدر ما تفرقهم، وتغذي مناخًا مشحونًا بالكراهية والدعاية وأنصاف الحقائق.

ويرى عرمان أن القوى المدنية، رغم ما بذلته من جهود، لم تنجح بعد في التحول إلى كتلة صلبة قادرة على التأثير، إذ تعمل في بيئة داخلية ملوثة بالحرب، وأخرى خارجية تحكمها حسابات الجغرافيا السياسية أكثر من التزامها بقضايا التحول الديمقراطي. وهو ما يجعل، في تقديره، أي عملية سياسية بلا أساس وحدوي متين، مهددة بأن تتحول إلى عامل إضافي لتفتيت الصف المدني بدل توحيده.

ومن هنا، يدعو إلى العودة إلى منصة “القضايا المصيرية”، مستلهمًا تجربة مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية 1995، باعتبارها نموذجًا لإعادة بناء وحدة القوى المدنية على أسس واضحة، قبل الانخراط في أي حوار مع أطراف الحرب أو الفاعلين الإقليميين والدوليين. فالأولوية، وفق طرحه، يجب أن تكون لتأسيس جبهة مدنية عريضة، قادرة على حمل مشروع السلام والمواطنة، لا الارتهان لمعادلات الحرب.

وعند تقاطعه مع التغييرات العسكرية الأخيرة، يقرأ عرمان تعيين ياسر العطا في موقع متقدم داخل قيادة الجيش باعتباره مؤشرًا على اتجاه نحو تصعيد الخيار العسكري، أكثر من كونه تمهيدًا لتسوية سياسية. ويرى أن ما جرى من إحلال وإبدال في قيادة القوات المسلحة لا يتجاوز كونه قمة جبل الجليد، إذ يظل تغييرًا محدودًا لا يلامس جذور الأزمة، ولا يعالج الكارثة الإنسانية المتفاقمة أو الانهيار الاقتصادي المتسارع..

كما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور الذي سيلعبه القادة الجدد، خصوصًا في ظل التداخل بين العسكري والسياسي، محذرًا من أن انخراط القيادات العسكرية في الخطاب السياسي والإعلامي قد يدفع بالمؤسسة العسكرية إلى قلب الاستقطاب، ويعمّق أزمتها داخليًا وخارجيًا. فالتحدي، في نظره، لا يكمن فقط في إدارة الحرب، بل في القدرة على تجنيب الجيش الانزلاق إلى معترك السياسة، وفتح الطريق أمام مقاربات تفاوضية تخاطب جذور الأزمة.

وفي خلاصة طرحه، يشدد عرمان على أن التفاوض ليس نقيضًا للحرب، بل أداة من أدواتها، قد تحقق ما تعجز عنه البنادق، مؤكدًا أن مستقبل السودان لن يُصاغ في ميادين القتال وحدها، بل عبر حوار واسع ومؤسس، يستند إلى رؤية جديدة تعيد تعريف الدولة، وتفتح أفقًا للخروج من هذا النفق الطويل، مهما بدا الأفق اليوم معتمًا.

حبر على ورق

وفي سياق إحكام السيطرة وإعادة هندسة المشهد العسكري، كان عبد الفتاح البرهان قد اتخذ خطوة مفصلية في أغسطس 2025، حين أصدر قرارًا بإخضاع جميع التشكيلات المسلحة المساندة للجيش، والمنخرطة في القتال ضد قوات الدعم السريع، لقانون القوات المسلحة، في مسعى واضح لإنهاء حالة السيولة العسكرية وتوحيد مراكز القرار.

وبحسب ما أوضحه المتحدث باسم الجيش حينها العميد نبيل عبد الله، فإن القرار استند إلى نصوص قانونية محددة، شملت المادتين (14) و(2/5) بفقراتهما، بما يمنح القيادة العامة غطاءً تشريعيًا لإحكام القبضة على هذه التشكيلات، تحت شعار ترسيخ سيادة حكم القانون وتعزيز منظومة القيادة والسيطرة. وبهذا، لم يعد وجود هذه القوات قائمًا على تحالفات ظرفية، بل أُعيد تعريفه ضمن هيكل رسمي يخضع للوائح والانضباط العسكري.

القرار، في جوهره، نقل هذه القوى من هامش المساندة إلى صلب المؤسسة، إذ باتت جميعها تحت إمرة قادة القوات المسلحة في مختلف المناطق، وهو ما يعكس توجهًا نحو مركزية صارمة في إدارة الحرب، وتقليص تعددية البنادق التي ظلت سمة بارزة في المشهد السوداني خلال سنوات النزاع.

وفي موازاة ذلك، واصل البرهان سياسة إعادة ترتيب البيت الداخلي عبر قرارات مكمّلة، شملت ترقية عدد من الضباط من دفعات مختلفة إلى رتب أعلى، وإحالة آخرين إلى التقاعد، في إجراءات وُصفت بأنها “راتبة” وفق قانون القوات المسلحة ولوائحه، لكنها في سياقها العام تعكس ديناميكية مستمرة لإعادة تشكيل هرم القيادة بما يتماشى مع مقتضيات المرحلة.

أما من الناحية القانونية، فتشير المادة (14) من قانون القوات المسلحة لسنة 2007 إلى ضوابط الاختيار والتأهيل والتعيين والتجنيد، بينما تتناول المادتان (2) و(5) تفسير القانون وتعريف القوات الاحتياطية والتشكيلات المساندة التي يتم إنشاؤها وفق الأطر العسكرية، وهو ما يمنح هذه الخطوة بعدًا يتجاوز الإجراء الإداري، ليصل إلى إعادة تعريف العلاقة بين الجيش وبقية الفاعلين المسلحين تحت مظلته.

غير أن هذه القرارات، على ما حملته من صرامة قانونية ورسائل سياسية، بقيت في كثير من جوانبها حبرًا على ورق، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي على الأرض. فالتشكيلات المسلحة التي استهدفها القرار ظلت محتفظة بهياكلها المستقلة، وبسلاسل قيادتها الخاصة، دون أن تنصهر بالكامل داخل المنظومة الرسمية التي سعى عبد الفتاح البرهان إلى فرضها.

بل إن بعض هذه القوى لم تكتفِ بالتجاهل الصامت، وإنما ذهبت إلى رفض القرار بشكل علني، في سابقة تعكس حدود قدرة القيادة العامة على فرض إرادتها خارج نطاق الجيش النظامي. ورغم هذا التحدي المباشر، لم تُسجّل إجراءات حاسمة أو عقوبات واضحة بحق الرافضين، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول فعالية القرارات، ومدى قابلية تنفيذها في واقع تتعدد فيه مراكز القوة والسلاح.

هذه الفجوة بين النص والتطبيق تكشف، في جوهرها، معضلة أعمق تتعلق بطبيعة الحرب نفسها، حيث لا يكفي إصدار الأوامر لإعادة تشكيل المشهد، في ظل شبكة معقدة من الولاءات والمصالح التي تجعل من توحيد البندقية هدفًا مؤجلًا، وربما أكثر تعقيدًا مما يبدو في ظاهر القرارات.

 في  رسالته الصوتية الأخيرة التي وجدت تفاعلًا واسعًا، يطرح الصحافي والمحلل السياسي محمد لطيف مفهومًا ساخرًا ومشحونًا في آنٍ واحد، يصفه بـ”الجيشفوبيا”، في امتداد جدلي لما يسميه البعض سابقًا “الكيزانوفوبيا”، أي صناعة الخوف من الفاعلين السياسيين كأداة في الصراع العام، مستلهما العنوان من مقولة لاحد الإسلاميين الذي كتب في وقت سابق قائلا ” بعد فشل الخونة في حملة الوزفوبيا انتلقوا الى الجيش فوبيا”..

ينطلق لطيف من هذا المدخل الذي يبدو  يبدو خفيفًا في ظاهره، حين يشير إلى أن بعض الخطابات الإعلامية بدأت تضع خصوم الحرب في خانة “الخونة”، غير أنه يتوقف عند هذه المفارقة ليعيد تفكيكها، معتبرًا أن ما يبدو كتحولات في الخطاب ليس فشلًا للحملات السياسية السابقة، بل نتيجة مباشرة لها، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، حيث بدأت ملاحقات وضغوط حقيقية تتشكل حول قوى الإسلام السياسي.

لكن جوهر أطروحته لا يقف عند المصطلحات، بل يمتد إلى سؤال أكثر قسوة: “أين الجيش؟”. فبرأيه، الأزمة السودانية لم تعد تدور فقط حول من يحكم، بل حول غياب المؤسسة العسكرية عن وظيفتها الأصلية، وتحولها عبر مراحل متراكمة من مؤسسة للدفاع عن الدولة إلى فاعل سياسي مركزي، يتداخل في الحكم والسلطة والاقتصاد، بدل أن ينحصر في مهامه المهنية.

ويذهب لطيف إلى أن هذا التحول لم يكن طارئًا، بل هو امتداد تاريخي لدور ورثته القوات المسلحة منذ لحظة خروج الاستعمار، حين آلت إليها امتيازات الدولة الحديثة، من السلطة إلى النفوذ إلى الموارد، لتصبح – في نظره – الوريث الأكثر حضورًا للسلطة الاستعمارية، بل والأكثر قدرة على إعادة إنتاجها بصيغ محلية.

ومن هذا المنظور، يرى أن الإشكال لا يكمن فقط في تعدد خصوم الجيش أو مؤيديه، بل في طبيعة المؤسسة نفسها، التي ظلت، بحسب وصفه، تحتفظ بامتيازات هائلة لا تضاهيها أي مؤسسة مدنية في السودان، سواء من حيث النفوذ أو الموارد أو موقعها في هرم السلطة، ما جعلها في قلب كل أزمة سياسية، لا خارجها.

ويضيف لطيف في تفكيكه لما يسميه “ورثة السلطة والاستبداد”، أن المؤسسة العسكرية لم تكن مجرد جهاز أمني انتقل من حقبة الاستعمار إلى الدولة الوطنية، بل تحولت – في جوهرها التاريخي – إلى الفاعل الذي حلّ محل المستعمر في إدارة الدولة وتوزيع السلطة.

ويستشهد في هذا السياق بشهادة لعضو نظام نوفمبر، اللواء أحمد عبد الوهاب، الذي كان عضوًا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة إبان حكم نوفمبر، والذي أشار – بحسب ما يُتداول – إلى أنه فوجئ في عام 1955 بوجود ضباط يخططون لتحرك عسكري سابق على الاستقلال نفسه، بما يعكس، في قراءة لطيف، أن فكرة انتقال السلطة إلى المؤسسة العسكرية كانت مطروحة داخلها قبل اكتمال لحظة الاستقلال المدني.

ورغم أن تلك المحاولة لم تكتمل في حينها، إلا أن المسار التاريخي سرعان ما اتخذ منحى مختلفًا بعد سنوات قليلة، حين عاد الجيش ليضع يده على السلطة عبر الانقلابات العسكرية المتعاقبة، لتبدأ مرحلة طويلة من الحكم العسكري المتداخل مع السياسة، حيث لم يعد الجيش مجرد مؤسسة نظامية، بل فاعلًا سياسيًا مركزيًا يتقدم المشهد ويعيد تشكيله.

ومن هنا ينطلق لطيف إلى خلاصة أكثر حدة، مفادها أن الجيش في التجربة السودانية لم يكن بعيدًا عن السياسة في أي مرحلة، بل ظل منغمسًا فيها حتى “أذنيه”، حتى بات، في توصيف بعض المفكرين الذين يستحضرهم، أقرب إلى “حزب سياسي مسلح” منه إلى مؤسسة مهنية محايدة، وهو توصيف يعكس حجم التشابك بين البنية العسكرية ومراكز القرار السياسي والاقتصادي في الدولة.

ثم يفتح الباب على سؤال ما بعد ورثة الاستعمار، حيث لا يعود النقاش متعلقًا بالبدايات التاريخية فقط، بل باستمرارية هذا الدور وتحوّله إلى بنية حكم راسخة، يصعب الفصل فيها بين الدولة كفكرة، والجيش كفاعل، والسلطة كمجال دائم لإعادة الإنتاج والتداول بالقوة والنفوذ.

وراثة ممتدة

ويمضي محمد لطيف في تحليله قائلاً إن مرحلة ما بعد سقوط نظام مايو لم تكن استثناءً من هذا المسار التاريخي، بل امتدادًا مباشرًا لتداخل المؤسسة العسكرية مع الفعل السياسي في السودان. فبعد التحول الديمقراطي، لعب الجيش – بحسب قراءته – دورًا مؤثرًا في تشكيل البيئة السياسية، بدءًا من قانون الانتخابات وما شابه من اتهامات بالتأثير غير المباشر على مساراته، بما أفضى إلى تركيبة برلمانية لم تكن، في نظره، معبّرة بدقة عن الإرادة الشعبية.

ويضيف أن هذا التداخل لم يتوقف عند حدود التأثير غير المباشر، بل امتد إلى ما هو أبعد، حين ساهمت بعض دوائر النفوذ داخل المؤسسة العسكرية في تشويه صورة التجربة الديمقراطية، عبر أدوات إعلامية وسياسية، من بينها إنشاء صحف أو دعم منصات كانت تعمل ضد النظام الديمقراطي القائم، بما عمّق حالة عدم الاستقرار وأضعف ثقة الشارع في التجربة المدنية.

ومن هذا السياق، ينتقل لطيف إلى محطة انقلاب 30 يونيو 1989، حيث يرى أن المؤسسة العسكرية – أو قطاعات مؤثرة منها – اعتقدت أنها تعيد تثبيت “حقها التاريخي” في السلطة، ولكن هذه المرة عبر شراكة عضوية مع الحركة الإسلامية، في صيغة حكم جديدة امتدت لثلاثة عقود، أعادت تشكيل الدولة ومؤسساتها على نحو جذري.

ورغم تجنب الخوض في تفاصيل تلك الحقبة الطويلة، إلا أنه يشير إلى أنها كرّست واقعًا سياسيًا معقدًا، تداخلت فيه الدولة بالحزب، والمؤسسة العسكرية بالتنظيم السياسي، حتى باتت الحدود بين السلطة والجيش والحركة الإسلامية أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

ثم يصل إلى لحظة 11 أبريل، التي يعتبرها نقطة انعطاف جديدة، حيث يذهب إلى أن المجلس العسكري الذي تشكّل آنذاك كان، في جوهره، امتدادًا بنيويًا لنظام الإنقاذ أكثر من كونه قطيعة معه، وأنه مثّل إعادة إنتاج للمنظومة القديمة في صيغة انتقالية.

وفي هذا الإطار، يرى أن الفترة الممتدة من 11 أبريل وحتى تشكيل الحكومة المدنية في أغسطس مثلت مرحلة حكم عسكري فعلي، أُعيد خلالها ترتيب السلطة وإعادة توزيع مراكز النفوذ، بما جعل “الوريث الحقيقي” – بحسب تعبيره – ليس القوى المدنية، بل تحالفًا غير معلن بين المؤسسة العسكرية وبقايا التنظيم الإسلامي، وهو ما يفسر، في قراءته، تعثر مسار الانتقال المدني منذ بدايته.

وهنا تتقاطع رؤية محمد لطيف مع رأي أحد أعضاء القيادة العسكرية السابقين الذي ترقّى حتى رتبة فريق، حيث يرى في حديثه لـ«أفق جديد» أن عبد الفتاح البرهان يمثل امتداداً طبيعياً لمن سبقوه من الضباط الذين كانت لديهم طموحات سياسية، موضحاً أنهم استخدموا قوة الجيش في غير موضعها.

ويضيف أن الجيش، بدلاً من أن يظل مؤسسة مخصصة لحماية البلاد، جرى توظيفه في التسلط على المواطنين، الأمر الذي أبعده عن مهامه الدستورية وحوّله في كثير من الأحيان إلى قوة قمعية.

ويشدد الضابط السابق على أنه خلال فترة خدمته داخل المؤسسة العسكرية كانوا يناهضون هذا المسار ويحاولون استعادة الدور المهني للجيش بما يجعله محل احترام وتقدير، مؤكداً أن تدخل الجيش في السياسة أضر به كثيراً وأضعفه بشكل واضح.

وفي ما يتعلق بالتعديلات الأخيرة، يرى أنها غير دستورية، موضحاً أن العرف داخل القوات المسلحة ينص على أن من يتولى منصباً دستورياً لا ينبغي له العودة مجدداً إلى الخدمة داخل المؤسسة العسكرية.

في خاتمة المشهد، يتضح أن الإشكالية المطروحة تتجاوز الأشخاص والمواقف الآنية إلى بنية أعمق ارتبطت بتاريخ المؤسسة العسكرية نفسها وعلاقتها بالسلطة السياسية في السودان. فالأصوات التي تنتقد هذا المسار، سواء من داخل المؤسسة أو من خارجها، تكشف عن قلق متزايد من استمرار حالة التداخل بين السياسي والعسكري، بما أفضى في مراحل مختلفة إلى إضعاف الجيش كمؤسسة قومية يفترض أن تظل على مسافة واحدة من الجميع.

وتشير هذه القراءات إلى أن التحول الذي طرأ على دور الجيش لم يكن مجرد انحراف عابر، بل نتيجة تراكمات طويلة من التدخل في الحكم وتوظيف القوة العسكرية في إدارة الشأن السياسي، الأمر الذي انعكس سلباً على بنيته الداخلية وعلى صورته لدى الرأي العام. وبينما يرى بعض القادة السابقين أن استعادة الاعتبار المهني للمؤسسة يمر عبر فك الارتباط مع السلطة السياسية بشكل واضح وحاسم، يظل الواقع الراهن مفتوحاً على أسئلة صعبة تتعلق بحدود الإصلاح وإمكاناته في ظل الظروف الحالية.

إن جوهر الأزمة، كما تعكسه هذه الشهادات، لا يكمن فقط في من يتولى السلطة، بل في طبيعة العلاقة نفسها بين الدولة والجيش، وهي علاقة إذا لم تُعاد صياغتها على أسس دستورية صارمة وواضحة، ستظل قابلة لإعادة إنتاج الأزمات ذاتها. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة بناء التوازن المؤسسي بما يضمن جيشاً مهنياً محترفاً، ودولة مدنية قادرة على إدارة شؤونها بعيداً عن منطق القوة، بما يفتح الطريق أمام استقرارٍ سياسي طال انتظاره.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى