
الزين عثمان
ديسمبر طاردوها فما ماتت، سجنوها فما انطفأت، قتلوها وما زالت حيّة
قبل سبع سنوات، وتحديداً في مثل هذه الأيام، كان السودانيون ينسجون ملامح معركتهم الحاسمة ضد نظام الرئيس المخلوع عمر حسن البشير، واضعين نصب أعينهم لحظة الخلاص التي طال انتظارها. في ذلك الوقت، خرج القيادي في المؤتمر الوطني نافع علي نافع مستحضراً ما تبقى لديه من سخرية، قائلاً: «كلها يومين ونشوف عددهم كم»، في إشارة إلى موكب السادس من أبريل المتجه نحو القيادة العامة للقوات المسلحة. غير أن شوارع البلاد وساحاتها كانت تعجّ بلافتات الأمل، وبأصواتٍ تهتف لوطن يُغنّى كما يشتهي أبناؤه.
عند الثالثة من عصر السادس من أبريل 2019، بدأت ملامح التحول تتشكل على الأرض؛ إذ وضع عدد من منسوبي جهاز الأمن الوطني أسلحتهم، متبادلين عبارات تعكس يقيناً آخذًا في الترسخ: «هذا الأمر لا قبل لنا بمواجهته، وتلك السلطة سقطت لا محالة». ومع حلول المساء، كان المشهد أكثر وضوحاً، حيث حمل أحد الشباب لحافه على كتفه، في دلالة رمزية على الاستعداد لاعتصام قد يطول، وعلى يقين بأن الحلم صار أقرب من أي وقت مضى.
في تلك الساعات، ترددت الهتافات من بعيد: «صابنها»، قبل أن يلتقطها جيلٌ أكثر اقتراباً من لحظة الفعل، مردداً: «صابنها… وما بنرجع إلا البيان يطلع». هناك، وُلد أحد أكثر مشاهد السودان المعاصر إشراقاً: اعتصام القيادة العامة، الذي أفضى إلى إزاحة البشير، قبل أن يُفض لاحقاً في واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في تاريخ البلاد الحديث.
وفي عبارة بدت تلخيصاً بليغاً لمسار الثورة، كتب تجمع المهنيين السودانيين: «السادس من أبريل ليست سدرة منتهانا». فقد كان ذلك اليوم محطة في طريق طويل، انتهى فيه حكم البشير إلى السقوط الذي استحقه، بينما آل مسار التحالفات الثورية إلى التفرق والانقسام، كما يحدث كثيراً في التجارب السياسية في نسختها السودانية.
وفي الذكرى السابعة لذلك الموكب، يعود السؤال مُلحّاً في سودانٍ أنهكته الحرب والانقسام: هل كان أولئك الذين خرجوا يومها سيكررون الفعل ذاته؟ بلدٌ مثقل بالخسارات، شعبه يرزح تحت وطأة الموت، وجغرافيته مهددة بالتآكل، فيما يُحمّل كثيرون الثورة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.
يقول ديسمبري إن عاد الزمان لمشيتُ في ذات الطريق الذي مشى فيه عظمة، وكشة، وتبيدي، وحنفي وبقية الكواكب. وهل هناك أجمل من المشي في طريق الثورة، اليقين، والإيمان؟ وهل هناك أجمل من المشي نحو الصباح؟ وهل من صباحاتٍ أجمل في هذه البلاد من صباحات اعتصام القيادة وضجيج حياتها؟
في ذات السادس من أبريل، الموصوف عند الديسمبريين بـ«المنصور»، يعود عبد الفتاح البرهان، الجنرال الذي صعدت به الثورة لمنصة قياداتها وهي ترفع شعار «شعب واحد جيش واحد»، للظهور من ذات المكان، وفي تسجيل مصور يحيي الشعب ويستدعي الذاكرة. الفيديو بدا وكأنه تأكيد لما صدحت به قريحة أزهري محمد علي وهو يتساءل: «شن طعم القيادة بعدنا؟ شن معناهو طولة القامة؟». وسؤال القيادة سرعان ما يتمدد في مواجهة الجنرال: كيف للمنقلب على الثورة أن يستدعي ذاكرتها؟ يبدو مدهشاً أن يحتفل بالسادس من أبريل ذات من كان مسؤولاً عن موت صناعها في نفس المكان.
وقد لا تنتهي الدهشة حين تتواتر في ذات اليوم أخبار عن اعتقالات لعدد من الثوار داخل البلاد، استدعوا ذاكرتها. لكن في سودان مفارقات الحرب وتداعياتها، كل مستحيل ممكن، ويشبه ذلك الظن بأن تحفر حفرة لديسمبر وثوارها، ثم تصعد برافعتها إلى السلطة باعتبارها أساس الشرعية في سودان ما بعد سقوطهم.
المفارقة اللافتة أن من وصفوا الثورة سابقاً بأنها «ثورة إسلامية»، وعلى رأسهم صلاح عبد الله قوش، هم أنفسهم من يحمّلون قوى الثورة اليوم تبعات الحرب الدائرة، في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً، ويشبه إلى حد بعيد سلوك بقايا النظام السابق المناهضين للثورة والمتورطين في اعتقالات شبابها بشكل أو بآخر.
ياسر عبد الرحمن، أحد الشباب الذين عبروا المتاريس في ذلك اليوم، يقول: «نعم، لم ننتصر تماماً، لكن لا أحد يستطيع كسر إرادة هذا الشعب مرة أخرى». ويضيف أن ما جرى في السادس من أبريل لا يمكن اختزاله سوى في عبارة واحدة: انتصرت إرادة الشعب. ويؤكد أنه لو عاد به الزمن، لسار في الطريق ذاته، مردداً الشعار نفسه: «تسقط بس»، ومشاركاً في الاعتصام والمواكب التي سبقته، لأن «لا شيء أجمل من هتاف: 30 سنة بترقص الليلة رقصتنا».
غير أن الخرطوم اليوم ليست كما كانت في «مليونية» الأمس؛ فالأزمة الراهنة لا تشبه تلك اللحظة المضيئة. ما جرى تحت الجسور لم يعد ماءً، بل دماء سالت منذ قرار فض الاعتصام، وتدفقت بعد ذلك في محطات متعددة، أبرزها أحداث ما بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، ثم انفجرت بلا توقف مع اندلاع الحرب. هذا النزيف المستمر، كما يرى كثيرون، أصبح دافعاً للاستمرار في مشروع ديسمبر، وتأكيداً على أن سقوط النظام لم يكن نهاية الطريق، بل بداية لصراع أطول.
في ذاكرة السادس من أبريل، يعود «الديسمبريون» لتجديد شعاراتهم: «حرية، سلام، وعدالة»، مرددين: «تعبنا يا صديقي، ولكن لا يمكننا العودة من منتصف الطريق». طريقٌ وعر، ومتاريس لا تنتهي، وأسئلة لا تزال معلقة: أين المخلوع؟ ولماذا تتحول رؤوس المواطنين إلى ساحات لتجريب الأسلحة؟
بالنسبة لأولئك الذين خرجوا في موكب السادس من أبريل قبل سبع سنوات، فإن دوافع الخروج لا تزال حاضرة بقوة في واقع البلاد الراهن. فقد كان إصرارهم على إسقاط نظام البشير مدفوعاً بحلم النهوض بالوطن، وتحقيق حياة كريمة تليق بالسودانيين—وهو حلم، رغم كل العثرات، لم ينطفئ بعد.
السادس من أبريل، الجيل الراكب راس في ذكراها السابعة: طاردوها فما ماتت، سجنوها فما انطفأت، قتلوها فما خمدت، فتنوا حولها فما انكسرت، شرّدوا أهلها فما تلاشت. خوّفوها بدويّ الانقلابات فما ارتعدت، أغلقوا الجسور بالحاويات فما انقطعت، حشدوا الشوارع بالمدرّعات فما انحنت، ضيّقوا الموانئ وأحكموا الخناق فما اختنقت، أطلقوا الأقلام المأجورة تنهش في سمعتها فما انكسرت صورتها. ضاقت صدورهم بها فتآمروا عليها فما سقطت، جيشٌ وجنجويد، وانقلابٌ يتلو انقلابًا وهي باقية، قلبوا الموازين وسجنوا حكومة الثورة فما خمدت جذوتها. ولمّا ضاقت بهم الأرض بما رحبت، رفعوا السلاح بعضهم في وجه بعض وأشعلوا حربًا لا تُبقي ولا تذر، كلٌّ يطلب الملك لنفسه وهي أكبر من مُلكهم جميعًا. قتلوا، وشرّدوا، ومزّقوا البلاد شرقًا وغربًا، فصبر الناس، وقاسوا، وتحمّلوا أوجاعًا تثقل الجبال، لكنها رغم ذلك كله لم تمت ولن تموت.
وعادوا في السادس من أبريل للاحتفاء بها، وهم يعتقلون صُنّاعها، قبل أن يعتقلوا وطناً كاملاً في حربهم. لكنها لا تزال تنهض في الذاكرة كالنيل في فيضانه، ثورة شعبٍ بعظمة التاريخ، يحييها ليحيا، ويستدعيها من رمادها لتبعث فيه الحياة من جديد؛ فهي الحياة، وهي المعنى، وهي وعد الشوارع التي لا يخون.