
الهادي الشواف
تم تأسيس لجنة تفكيك نظام الانقاذ بموجب قانون تفكيك نظام الإنقاذ في نوفمبر 2019م، بهدف حل حزب المؤتمر الوطني وتفكيك تمكينه في مؤسسات الدولة السودانية، ومصادرة الأموال والممتلكات التي سيطر عليها بطريقة غير شرعية وغير قانونية، والعمل على إنهاء الواجهات واللافتات المختلفة والمتعددة المرتبطة به، رغم الانتقادات التي وجهت للجنة من حيث الشرعية القانونية والسياسية إلا أنها من حيث المبدأ تظل أداة فعالة لتفكيك تمكين النظام البائد، فقط تحتاج إلى إعادة صياغتها بصورة تراعي الجوانب القانونية والشرعية.
وبعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م بقيادة عبد الفتاح البرهان أصدر قرار بحلها وإيقاف عملها، وبعد إدراج واشنطن للحركة الإسلامية السودانية ضمن قوائم الإرهاب، عادت اللجنة للعمل من الخارج بقيادة محمد الفكي سليمان في مارس 2026م، لتباشر دورها المهم في محاصرة نفوذ المؤتمر الوطني والإخوان المسلمين، وتفكيك البنية الاقتصادية عبر ما تمتلك اللجنة من قوائم بأسماء الشركات والهيئات التابعة للحركة الإسلامية، لإضعاف قدرتها على تمويل أنشطتها وعلى رأسها تمويل الحرب وإستمرار سيطرتها على مفاصل مؤسسات الدولة، وايضًا تقليل نفوذهم السياسي والاجتماعي من خلال ملاحقة قيادات التنظيم في الولايات والمحليات المختلفة وخارج السودان.
والاهم من ذلك ضرب الواجهات العسكرية من كتائب ومليشيات ومجموعات مسلحة مساندة لها وعلى رأسها كتائب البراء وغيرها من كتائب ذات ارتباط وثيق بالحركة الإسلامية، حيث يتوقع أن يؤدي تفكيك شبكات التمويل والدعم إلى تقليل قدرتها على الاستمرار.
تجارب مماثلة تمثل دروس وعبر:
هناك تجارب عديدة في محيطنا الاقليمي تظهر أهمية لجان التفكيك أو العدالة الانتقالية في لعب دورًا محوريًا مهمًا في تفكيك نفوذ أنظمة سابقة، في كل من جنوب أفريقيا وليبيريا وسيراليون، رغم الاختلاف الطفيف بينهما الا انهما في النهاية أدت ذات الدور مما ساعد على إيقاف الحروب أو على الأقل تقليل حدتها، هذه التجارب تقدم دروسًا عملية يمكن أن يستفيد منها السودان في استئناف لجنة التمكين لعملها في هذا الظرف التاريخي والتعقيدات الماثلة.
ففي جنوب أفريقيا عملت (لجنة الحقيقة والمصالحة) على تفكيك إرث نظام الفصل العنصري عبر كشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين، والنتيجة الواضحة والملموسة هي أنها ساعدت على تجفيف نفوذ النظام السابق ومنعت عودة العنف الواسع ورسخت انتقالًا سلميًا إلى الديمقراطية، الدروس المستفاد هو يجب التركيز في التجربة السودانية على كشف الحقائق ومحاسبة القيادات التي افسدت في الدولة والمجتمع ونهبت اموال الشعب دون الانتقام مع دمج المجتمع في عملية المصالحة.
في ليبيريا سعت (لجنة الحقيقة والمصالحة بعد الحرب الأهلية) في التحقيق في جرائم الحرب والانتهاكات الواسعة واعملت على تفكيك شبكات أمراء الحرب بشمل فعال، وهذا العمل الجاد ساهم في محاصرة وتفكيك نفوذ الميليشيات وقاد إلى محاكمات دولية لبعض القادة، مما أضعف قدرة الأطراف المسلحة على العودة للصراع، وبالتالي في التجربة السودانية من الضرورة الاهتمام بالتعاون مع المجتمع الدولي لتجفيف مصادر تمويل الحرب وملاحقة القيادات المتورطة خاصة وأن هنالك قرارات صدرت في حق قيادات من النظام البائد وكذلك بعض قيادات المجموعات المسلحة والمليشيات.
وعملت (المحكمة الخاصة + لجنة الحقيقة) في سيراليون على محاكمة قادة الحرب الأهلية وتفكيك شبكات الميليشيات، وهذا بدوره أدى إلى إضعاف نفوذ “الجبهة الثورية المتحدة”، وأوقفت الحرب عبر الجمع بين العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية، وهذا ما يجب من يستفاد منه سودانيًا في المزج ما بين المحاكمات الدولية واللجان المحلية وهذا يمكن أن يحقق توازنًا بين العدالة والتهدئة.
واما في تجربة رواندا الأكثر تعقيدًا استطاعت (محاكم “الغتشاكا” الشعبية) تفكيك نفوذ المتورطين في الإبادة الجماعية عبر محاكمات شعبية واسعة ومن خلال لجان الحقيقة والمصالحة والاعتراف وكشف الجرائم، وهذه الاجراءات ساعدت بشكل فعال على إعادة دمج في المجتمع ومنع عودة الميليشيات، ومهدت الطريق امام انطلاق رواندا نحو التنمية والاستقرار رغم الانتقادات حول العدالة الكاملة التي تمثل حلم الضحايا في كل مكان، والدرس المستفاد من تجربة رواندة هو أهمية إشراك المجتمعات المحلية في العدالة الانتقالية لتعزيز الشرعية والتقليل من فرص العودة إلى الحرب.
وخلاصة القول أن نجاح لجنة التفكيك في مهامها من خلال هذه التجارب يرتبط بثلاثة عناصر أساسية وهي تفكيك البنية الاقتصادية والسياسية لفلول النظام البائد، ومحاسبة القيادات الفاسدة والتي ارتكبت جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الانسان عبر آليات محلية ودولية، بالاضافة إلى الحرص على عدم الافلات من العقاب واعادة الدمج في المجتمع في عملية الحقيقة والمصالحة لضمان قبول واسع واستقرار دائما وعدم العودة والارتداد.
هذه التجارب تظهر أن لجان التفكيك ليست مجرد أدوات قانونية وليست منابر للاستعراض والتشفي، بل هي آليات استراتيجية لاسترداد الحقوق والاموال المنهوبة ومحاسبة المجرمين وضمان عدم الافلات، وإضعاف القوى التي سيطر على مقدرات البلاد وتغذي الحرب، وبالتالي يمكن أن تكون أداة فعالة في السودان إذا دعمها اسناد شعبي واسع وتنفيذ قوي وتعاون دولي فعال.
أثرها على الحرب الحالية والتحديات الماثلة:
الاثر المباشر الذي سوف تحدثه استئناف لجنة التفكيك لعملها هو إضعاف مصادر التمويل عبر تفكيك شبكات المال التابعة للإخوان والمؤتمر الوطني والذي يحد من قدرتهم على تغذية الحرب بالموارد، أضافة إلى ذلك تجفيف الحاضنة السياسية من خلال محاصرة النفوذ السياسي للحركة الإسلامية لتقليل قدرتها على تعبئة أنصارها واستمرار الصراع، وكذلك باعلان اللجنة للتعاون مع الأسرة الدولية لإنهاء الحرب قد يفتح الباب لدعم خارجي في مواجهة تفكيك هذه البنية الصلبة للنظام البائد.
من أهم التحديات التي سوف تواجه اللجنة هي غياب أدوات التنفيذ المباشرة من سلطة قبض وتفتيش وتحفظ ومصادرة، بعض المراقبين يشككون في قدرة اللجنة على تنفيذ مهامها بسبب ضعف البنية المؤسسية ووجود بعض أعضائها خارج البلاد، وكذلك استمرار الحرب والانقسام السياسي الداخلي قد يحد من فعالية اللجنة إذا لم تدعم بسند شعبي واسع.
ولكي تنجح اللجنة في مهامها يجب أن تعمل وبشكل جاد على توفير معلومات كافية وشاملة ومن مصادر متعددة حول مصادر تمويل الحرب ومصادر دعم الحركة الاسلامية وواجهاتها، ومصادرة الشركات والأموال المرتبطة بالنظام السابق أو تجميد حساباتها على الاقل، وملاحقة القيادات والواجهات العسكرية مثل كتيبة البراء أو شل حركتها ومصادر تمويلها، التعاون الفعال مع المجتمع الدولي خاصة بعد قرار تصنيف الحركة الاسلامية لإضعاف التمويل السياسي والعسكري والمالي، العمل على تقليص قدرة الإسلاميين على التعبئة والاستنفار من خلال تفكيك شبكات النفوذ في الولايات المختلفة مع تجفيف مصادر تمويل الحرب، وتقليل قدرة القوى الإسلامية على الاستمرار في الصراع لفتح الباب لتسوية سياسية واسعة توقف الحرب وتستعيد المسار الديمقراطي وتمنع العودة والارتداد للحرب والانقلابات العسكرية.
الخلاصة:
استئناف لجنة التمكين يمثل محاولة جادة لإضعاف النظام السابق والحركة الإسلامية عبر ضرب شبكاتهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهو ما يمكن أن يساهم في تقليل قدرة هذه القوى على تغذية الحرب، لكن نجاحها يعتمد على توافر أدوات تنفيذ قوية ودعم داخلي وخارجي وإلا ستظل خطوة رمزية أكثر من كونها عملية وحاسمة.
نجاح لجنة التمكين في استئناف عملها قد يشكل نقطة تحول في مسار الحرب عبر ضرب البنية الاقتصادية والسياسية والعسكرية للنظام السابق، مع مراجعة التجربة بالاستفادة من التجربة السابقة والتجارب الناجحة في المحيط مع تجاوز السلبيات، بينما فشلها سيعزز نفوذ القوى الإسلامية والإنتهازين حولها ويطيل أمد الصراع.