(الظلام يغطي على الأمل )الكهرباء.. قصة مأساة تتخطى المعاناة

أفق جديد
الظلام هنا ليس مجرد غيابٍ للضوء، بل حالة كاملة تبتلع تفاصيل الحياة، وتعيد تشكيلها على هيئة انتظارٍ ثقيل لا ينتهي. في الخرطوم، المدينة التي كانت تضج بالحركة وتتنفس إيقاع الناس، صار الليل أطول من ساعاته، وصار النهار نفسه معتماً رغم الشمس الحارقة.
تحت هذا السقف المثقل بالحرارة والقلق، يقف عبدالرحمن بابكر، رجل أنهكته السنوات والمرض، أمام مستشفى النو. لا يحمل في يده سوى صبرٍ جميل، ولا في قلبه سوى رجاءٍ يتآكل ببطء. كان يفترض أن يخضع لجلسة غسيل كلى، تلك الجلسة التي لا تعني له رفاهية علاج، بل تعني ببساطة الاستمرار في الحياة. لكن الكهرباء انقطعت، ومعها انقطع موعده مع النجاة المؤقتة.
يجلس منتظراً، يراقب الأبواب المغلقة، ويقاوم الحر الذي يضغط على صدره كعبء إضافي. بصوت خافت، يكاد يضيع وسط الضجيج الصامت، يقول: “هذا هو حالنا… ونحمد الله على كل حال”. جملة قصيرة، لكنها تختزن استسلاماً قاسياً لواقع لا يرحم.
عبدالرحمن ليس استثناءً. عشرات المرضى، وربما مئات، يتقاسمون ذات المصير. أجسادهم المثقلة بالسموم تنتظر أجهزة لا تعمل، وأجهزة تنتظر تياراً لا يأتي. وفي الخارج، درجات الحرارة تتجاوز الأربعين، كأنها تختبر قدرة البشر على الاحتمال. الوقت هنا لا يُقاس بالساعات، بل بمدى قدرة الجسد على الصمود قبل الانهيار.
المدينة كلها تبدو وكأنها تنزلق ببطء نحو العجز. قطوعات الكهرباء والمياه لم تعد طارئة، بل أصبحت نمط حياة. شبكة منهكة، بنية تحتية مثخنة بالجراح، واقتصاد لا يقوى على إصلاح ما دمرته الحرب. كل شيء ينهار بصمت، إلا معاناة الناس التي ترتفع كل يوم.
رابحة، التي عادت من مصر بعد عامين من اللجوء، كانت تعتقد أنها تعود إلى بيتها، إلى شيء مألوف يمكن احتماله. لكنها وجدت نفسها أمام واقع أكثر قسوة مما تركته. تقول إن الكهرباء تنقطع بلا مواعيد، بلا تفسير، تمتد لساعات طويلة، وقد تعود لتختفي مجدداً في لحظات غير متوقعة، حتى في عمق الليل.
لم تعد المشكلة في الانقطاع ذاته، بل في غياب أي منطق يمكن التعايش معه. الفوضى هنا ليست في الشوارع، بل في الزمن نفسه.
ورغم أن عودتها جاءت ضمن برنامج رسمي يفترض أنه يسهل الرجوع إلى الوطن، فإن الوطن الذي وجدته لم يكن مهيأً لاستقبالها. فالأرقام التي تتحدث عن عودة عشرات الآلاف تبدو بعيدة عن الواقع اليومي الذي تعيشه، حيث الخدمات الأساسية نفسها أصبحت حلماً.
في حي الثورة، عاد محمود إلى منزله، مدفوعاً بنداءات العودة ووعود تهيئة البيئة. لكنه وجد بيتاً بلا ماء مستقر، ولا كهرباء يمكن الاعتماد عليها. كل شيء هنا مرتبط بشيء آخر؛ انقطاع الكهرباء يعني انقطاع الماء، يعني شللاً كاملاً للحياة. يقول بمرارة إن الوضع أسوأ مما توقع، وكأن المدينة لم تتعافَ، بل غرقت أكثر.
وفي زاوية أخرى من هذا المشهد، تقف بتول حماد، بائعة الطعام، أمام خسارة يومية لا يمكن تعويضها. الطعام الذي تعدّه بجهد، وتنتظر أن يكون مصدر رزقها، يتحول مع انقطاع الكهرباء إلى عبء. الثلاجة التي كانت تحفظ قوت أطفالها أصبحت مجرد صندوق بلا فائدة.
تعود إلى منزلها محملة بما لم يُبع، تأمل أن تحفظه لليوم التالي، لكن الحرارة تفسد كل شيء. تقول إن الطعام أصبح مصيره “الزبالة”، وإنها بدأت تفكر في العودة إلى “المشلعيب”، كأنها تعود خطوة إلى الوراء في سلم الحياة.
الأثر لا يقف عند الأفراد، بل يمتد إلى كل تفاصيل النشاط الاقتصادي. المتاجر، المطاعم، المقاهي، وحتى المستشفيات، كلها تعمل تحت رحمة انقطاع غير متوقع. لا جدول، لا إعلان، لا التزام. الكهرباء تأتي وتذهب كما لو كانت قراراً عشوائياً، لا خدمة عامة.
قد تنقطع لساعة، أو لعشر ساعات، أو ليوم كامل، وقد تعود ثم تختفي مجدداً في نفس اليوم. هذا الغموض لا يرهق الأجهزة فقط، بل يرهق الأعصاب، ويقضي على أي محاولة للتخطيط أو الاستقرار.
في هذا الواقع، يتحول الزمن إلى خصم، والحياة إلى سلسلة من الانتظارات: انتظار الكهرباء، انتظار الماء، انتظار العلاج، انتظار الفرج. كل شيء مؤجل، وكل شيء معلق بخيط غير مرئي.
ويبقى السؤال معلقاً في الهواء الثقيل: إلى متى؟
متى يجد السودانيون طريقهم خارج هذا الظلام؟
هل يصبح التيار الكهربائي حقاً عادلاً يصل إلى الجميع، أم يظل امتيازاً متقطعاً؟
بينما يجلس عبدالرحمن أمام المستشفى، منتظراً عودة الضوء، لا ينتظر الكهرباء وحدها، بل ينتظر دليلاً صغيراً على أن الحياة ما زالت ممكنة. لكن حتى ذلك، يبدو مؤجلاً… مثل كل شيء آخر.





