حكاية من بيئتي (30) صوت الحنين

محمد احمد الفيلابي

في الوقت الذي انشغل فيه الكُتّاب بتاريخ المدن، يفتّشون في نشأتها ومعالمها وتحوّلاتها، ويمشون بين طبقات ساكنيها، كانت القرى تمضي في صمتها القديم، لا يكتب عنها أحد، لكنها ظلت تكتب نفسها في وجدان الناس، في حكاياتهم. 

ومع اتساع الشتات، صارت حكايات القرى ترياقاً للسودانيين، وملاذاً يعيد لهم رائحة الطين وصوت الحنين. وأفلحت منصات التواصل في أن تكون دفتراً مفتوحاً، تتناثر فيه الذكريات، وتُستعاد فيه التفاصيل الصغيرة التي لا تجدها في كتب التاريخ. الأمر الذي ساهم في استعادة القرية كفضاء للمعنى، لا مجرد مكان.

 (أيوب) من أوائل من عرفوا طريق الهجرة من بين شِلّة أولاد القرى الذين جمعتهم داخلية المدرسة الثانوية (أواخر سبعينات القرن الماضي). وقتها كانت دول النفط تفتح سواعدها على اتساعها لاحتضان الباحثين عن التغيير في نمط حياتهم الاقتصادية. يصلونها أجساداً فيما تظل أرواحهم معلقة بالتراب.

مضي إلى هناك، وظلّ لسنوات طويلة يتقلب بين العمل والحنين، محتفظاً بخيط متين يصل بينه وبين عدد من الشِلّة، كانوا زاده الروحي، ونافذته الصغيرة على أيامٍ لن تتكرر. وحين عاد إلى السودان بعد عقدين ونيف، راودته فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها لماذا لا تتسع الدائرة؟، وبدأ بالبحث عنهم واحداً واحداً، يلتقط أسماءهم من ذاكرة المدرسة، ومن الصور القديمة، ومن أرقام متناثرة في دفاتر الزمن. وبعد محاولات لا تُحصى، أفلح في جمعهم في قروب (واتساب). قروب صغير في بدايته، لكنه سرعان ما تحوّل إلى منبر واسع انضم إليه العشرات ممن تفرّقت بهم السبل. واندلقت الذكريات كالسيل الجارف، وتدفق الحنين حتى غطّى سماواتهم. صار كل واحد منهم يحكي عن أيام الثانوية، وعن واقع الشتات، وعن المدن التي ابتلعتهم. 

وبين كل حكاية وأخرى، كانت القرية تطلّ برأسها..  قصصها، شخوصها، طرائفها، مواسمها. قصص تتشابه في جوهرها، لكن غريب الحكاوي من بينها يمنحها دائمًا ذلك التمايز الخفيف الذي يجعل كل قرية تبدو كأنها الكون كله. وهكذا وُلد قروب (صوت الحنين)، لا مجرد مجموعة (أنداد) في تطبيق، بل مساحة لاستعادة ما ضاع، ولجمع ما تفرّق، ولإعادة رسم القرية في قلوبٍ أنهكها البُعد. 

في مرحلة ما كادت أن تعصف بالقروب أهواء السياسة، إذ أفلحت سنوات الاستقطاب السياسي أن تُلبس البعض (جلابيب) الغلو والشطط والاختطاف الفكري. غير أن الحكمة، والايمان بهدف التواصل والتراحم غلبت، ليصدر (فرمان) متوافق عليه، أن (لا للتناول السياسي). وبعد مماحكات و(ملاواة)، استقر الأمر، وإن ظلت الحوجة قائمة لإزالة بعض المنشورات.

شيئاً فشيئاً، صارت مثل هذه القروبات تقوم مقام (خلوة الضيوف.. الضرا.. الضلّة)، التي كان يجتمع فيها أولاد القرية وضيوفهم، ومقام (الديوان) الذي تُحلّ فيه المشكلات قبل أن تتوسّع، وتتحوّل إلى نزاعات. وهكذا أصبح قروب (صوت الحنين) يخدم أغراضاً أكبر من مجرد التواصل، كالتكافل والمساندة والمواساة، وحلحلة مشكلات أفراد الشِّلّة.

ومع سهولة تنظيم اللقاءات الحيّة، صاروا يلتقون بين الحين والآخر، يتزاورون، ويستعيدون ما انقطع من خيوط الود. وتحوّل القروب مع الأيام إلى ما يشبه صحيفة أخبار يومية من تزوّج من الأبناء، من رُزق بمولود أو حفيد، من فقد عزيزاً، من تغيّر عمله، من عاد إلى السودان، ومن التقى بمن.. ومن يستعد للقاء آخر. ثم نشأ بينهم صندوق تكافل صغير، يمدّ يد العون لمن ضاقت به الدنيا، أو لمن ألمّت به نائبة. ليصبح القروب – كالعشرات أمثاله هنا وهناك – امتداداً حديثاً لروح القرية القديمة ذات الحميمية، والإحساس بأن (الناس لبعض).

وفي قلب كل ذلك، ظلّت الحكايات تتدفق… حكايات القرى التي تتشابه في جذورها، لكنها تظلّ متمايزة بلمسة الغريب من بينها، والشخوص المميزين، وبالنكهة التي لا يعرفها إلا من عاشها. حكايات تمثل الخيط السرّي الذي يشدّ أبناء القرية – وأبناء السودان عموماً – إلى جذورهم الأولى. ففي زمن الشتات، حين تتوزّع الأرواح بين أركان الكرة الأرضية، يصبح التواصل أكثر من ضرورة، بل وسيلة للحفاظ على الهوية. وتصبح الحكايات التي تُروى بمثابة المخزون الثقافي الذي يعيد صياغة ما تفرّق، ويذكّر كل واحد منهم بأنه ينتمي إلى نسيج واحد مهما ابتعد. ومع كل قصة تُروى، ومع كل طرفة تُستعاد، تتجدّد مفاهيم الترابط السوداني (اللمة، الضراع، الفزعة، الونسة، الضحكة التي لا تحتاج إلى شرح).

قروبات صارت كالجسور الواصلة بين الماضي والحاضر، بين القرية والعالم، بين الفرد وجماعته. إنها تُعيد إنتاج (السودانوية) في شكلها الأصيل. هوية لا تُكتب في الكتب، بل تُحكى في الونسات، وتُحفظ في الذاكرة الجمعية، وتُورّث عبر القصص. حتى أن البعض يقول عنها أنها مدارس للهوية، ومنابر لترسيخ قيم الترابط التي حملها السودانيون معهم أينما ذهبوا.

بعد الحرب، وحين جفّت الأرواح وتشقّقت العلاقات، وتبعثرت الأسر في المنافي، احتاج الناس إلى ما يعيد إليهم الرواء، إلى التواصل الذي يشبه (الدِّرِب) ينسرب في الأوردة الإنسانية ليعيد للأجساد عافيتها. وهكذا تحوّلت القروبات إلى دِرِبَّات يقين، تُضخّ في شرايين الذاكرة، فتنعش ما كاد يموت، وتعيد ترتيب ما اختلّ، وتمنح الناس القدرة على الوقوف من جديد. بل تروي العطش، وتسد الرمق. وفي زمن الفقد الكبير، صار هذا التواصل، وإن بدا بسيطاً، علاجاً جماعياً، يربط بين من بقوا ومن رحلوا، بين من صمدوا ومن تشتتوا، بين القرية والعالم. لتولد في قلب الخراب مساحات صغيرة تُعيد للناس يقينهم بأن السودان – مهما جُرح – ما زال حياً في حكاياتنا، وسيظل، مهما تفرّقت الأسر، وضاعت العناوين، وانقطعت الطرق، وصار الوصول إلى الأهل أصعب من أي وقت مضى.

كنا نردد في الأزمان السابقة أن الخطاب نصف المشاهدة.. ونغني مع الراديو (الوسيلة الوحيدة للتواصل مع العالم)..

يا البوسطجي.. 

جوابنا متين يجي؟

إلا أن الهاتف – هذا الجهاز الصغير – قد أصبح الجسر الوحيد بين المدن المحترقة والمنافي البعيدة. ومع كل رسالة تصل، ومع كل صورة تُرسل من خيمة أو مدرسة أو معبر حدودي، يحس السوداني أنه قريب من أهله، وأنه قادر – ولو بالكلمة – على تضميد جراحاتهم.

الكثير من السودانيين تعثّروا في مفردات السخط حين تحولت الكثير من منصات التواصل الاجتماعي مع استمرار الحرب، إلى ساحات للفزع والاستقطاب السياسي الحاد، والأخبار المروعة، والصور الموجعة، والشائعات، وصارت منابر لخطاب كراهية، بل أصبحت فضاءات تُظهر أسوأ ما في البشر حين تضيق بهم الدنيا. لكن يحمد لبعض القروبات وسط هذا الضجيج، أنها سارت في الاتجاه الآخر، حين اختار أعضاؤها منهج (لا سياسة… لا جدل… لا تشظّي).. فقط حكايات، ومواساة، وتكافل، وذكريات تُعيد للناس الكثير من إنسانيتهم. أي أنه مثلما أن هناك منصّات تُشعل الخوف، هناك قروبات تُطفئه بكلمة طيبة، ومساعدة عاجلة، ودعاء صادق، وضحكة تُخفّف وطأة اليوم، وحكاية تُعيد الرواء لروحٍ عطشى، وبلسماً في زمن الجراح، وترياقاً ضد الخوف، ونافذة صغيرة يدخل منها الضوء إلى قلوب أنهكتها الأخبار.

وقد أثبتت هذه القروبات أن التكنولوجيا ليست خيراً ولا شراً في ذاتها، بل هي مرآة لوعي الناس. فإذا اختاروا الحكاية بدل الشتيمة، والأنس بدل الخصام، والإنسانية بدل الضجيج… تحوّلت المنصة من وبال إلى دِرِب يقين.

هل كان (أيوب) يتخيّل، وهو يرسل أول رسالة في القروب، أن الأمر سيتحوّل إلى هذا الكيان الكبير؟ أم أنه كان يظنها محاولة بسيطة لردم فجوة ثلاثين عاماً، لا أكثر؟

والآن هل يشعر بالدهشة، أم ما يشبه الامتنان؟ ينادونه (الريّس) لكنه يرى نفسه (مجرد واحد من الشِلّة) واحد اشتاق، فمدّ يده، فمدّ الآخرون أيديهم، فالتقت الأيدي في منتصف الطريق. ولعله كلما قرأ رسالة مواساة، أو التقى بأحدهم، أو رأى آخرين يتلاقون محبة، أو من أجل نجدة فرد أو أسرة، أو رأى ضحكة صافية يقول في نفسه (لو ما عملت في الدنيا غير القروب ده… كفاية).. 

وبالفعل فقد وضعت حجراً صغيراً في مجرى ماء، ففاض النهر من حولك، وامتلأت الضفاف بالحياة. وصلت ما انقطع، ورتقت ما تمزق من ثوب الحكايات. ولك حق أن تهمس بعالي الصوت لنفسك (كويس يا أيوب… عملت حاجة كويسة)، فتحت مسالك للحكايات..

ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى