السودان بين إعادة التموضع    وكسر الشكوك.. هل تكفي الترتيبات الجديدة لطمأنة الإقليم؟

حاتم أيوب أبو الحسن

حاتم أيوب  أبو الحسن 

ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد إعادة ترتيب داخلي لمؤسسات الحكم، بل محاولة لإعادة تعريف موقع الدولة نفسها في خريطة إقليم مضطرب. فكل خطوة في “الترتيبات السيادية” تُقرأ خارج الحدود قبل أن تُفهم داخلها، خصوصًا في عواصم مثل مصر والسعودية والإمارات، حيث لا يزال هاجس تمدد الإسلام السياسي حاضرًا بقوة في تقييم أي تحول سوداني.

المعضلة الأساسية أن السودان لا يبدأ من صفحة بيضاء. إرث طويل من التشابك بين الدولة وشبكات الإخوان المسلمين يجعل أي إعلان عن “إعادة هيكلة” محل شك تلقائي. فالإقليم لا يسأل: من في الواجهة؟ بل من يتحكم فعليًا في مفاصل القرار؟ وهل ما يحدث تفكيك حقيقي أم إعادة توزيع أدوار داخل نفس البنية؟

في هذا السياق، تبرز القيادة الحالية، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان، كعامل حاسم لكن غير كافٍ. فالرجل يُنظر إليه إقليميًا كضامن للاستقرار الأمني، لكن هذا التقييم يظل مشروطًا بقدرته على الذهاب أبعد من التوازنات التكتيكية نحو قرارات استراتيجية تمس عمق الدولة، لا سطحها. الإقليم يريد أن يرى أفعالًا: تغييرات في بنية الأجهزة، تحولات في شبكات النفوذ، وإشارات واضحة بأن السودان لن يكون منصة لأي مشروع عابر للحدود.

المشكلة أن الداخل السوداني نفسه يفرض قيودًا معقدة. فالحرب، والانقسام السياسي، والانهيار الاقتصادي، كلها عوامل تدفع أي سلطة قائمة إلى البحث عن تسويات سريعة، لا مواجهات جذرية. وهذا ما يخلق مفارقة دقيقة: ما يطمئن الداخل عبر إبقاء توازنات قائمة قد يثير قلق الخارج، بينما القطيعة الحادة التي يفضلها الإقليم قد تفتح جبهات داخلية يصعب احتواؤها.

خلال الأشهر القادمة، لن يكون الحكم على النوايا بل على الاتجاه العام. إذا اتجهت السلطة إلى فك ارتباط تدريجي لكنه حقيقي مع شبكات الإسلام السياسي، مع تعزيز علاقاتها مع المحور العربي التقليدي، فقد تبدأ الثقة في العودة، مدفوعة بإشارات عملية لا خطابية. أما إذا استمرت في إدارة توازن رمادي لتقديم تطمينات دون تغيير عميق—فسيظل السودان في نظر الإقليم شريكًا تكتيكيًا يُتعامل معه بحذر. وفي حال تعثرت الترتيبات وعادت السلطة للاعتماد على الشبكات القديمة لضمان البقاء، فإن ذلك سيعمق العزلة ويزيد من كلفة الأزمة.

في النهاية، لا تُقاس التحولات بما يُعلن، بل بما يتغير فعليًا في بنية السلطة. الإقليم لا يبحث عن خطاب جديد بقدر ما يبحث عن سلوك يمكن التنبؤ به. والسودان، إن أراد استعادة موقعه، عليه أن يحسم سؤاله الأصعب: هل يعيد ترتيب الواجهة فقط، أم يذهب نحو إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى