بورتسودان.. إخلاء قسري يهدد آلاف النازحين

أفق جديد

في خطوة وصفتها السلطات بالضرورية لضمان سير العملية التعليمية أعلنت لجنة الطوارئ الإنسانية بولاية البحر الأحمر شروعها في تنفيذ خطة لإخلاء مراكز إيواء النازحين المقامة داخل المدارس، وذلك تمهيدًا لانطلاق امتحانات الشهادة الثانوية خلال الفترة المقبلة.

القرار رغم أهميته في تهيئة البيئة الدراسية للطلاب، أثار موجة من القلق وسط آلاف الأسر التي وجدت نفسها أمام واقع جديد محفوف بالتحديات.

وأوضحت اللجنة، في بيان رسمي صدر الثلاثاء الماضي، أن هذه الخطوة تأتي ضمن ترتيبات عاجلة تهدف إلى توفير بيئة تعليمية مناسبة للطلاب، وأشارت إلى أن المدارس يجب أن تُفرغ بالكامل لتُستخدم في أغراضها الأساسية.

 وأكدت في الوقت ذاته أنها تعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة لتوفير مراكز إيواء بديلة، إلى جانب دعم برامج العودة الطوعية للنازحين الراغبين في العودة إلى مناطقهم الأصلية.

لكن على أرض الواقع، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ إذ عبّر عدد من النازحين عن مخاوفهم من عدم وضوح الخطة، خاصة فيما يتعلق بالمواقع البديلة ومدى جاهزيتها لاستقبال أعداد كبيرة من الأسر.

غياب المعلومات

يقول عبد الرحمن يوسف، وهو نازح يقيم منذ أشهر في إحدى مدارس بورتسودان لـ”أفق جديد”: “نحن ندرك أهمية الامتحانات، ولا أحد يعارض مستقبل الطلاب، لكن المشكلة أننا لم نتلق معلومات واضحة حول إلى أين سنُنقل، هناك حديث عن مراكز بديلة، لكن لم نلمس شيئًا على الأرض حتى الآن”.

ويضيف يوسف أن العديد من الأسر تعاني أصلًا من أوضاع إنسانية صعبة، وأن أي عملية نقل غير مدروسة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة خاصة في ظل نقص الخدمات الأساسية مثل المياه والرعاية الصحية.

من جهتها، تؤكد فاطمة إبراهيم، وهي لعدد من الأطفال، أن تجربة النزوح المستمرة أرهقت الأسر نفسيًا وماديًا. وأضافت في حديثها لـ”أفق جديد”: “منذ أن غادرنا منزلنا ونحن ننتقل من مكان إلى آخر، كل مرة نحاول التأقلم، ثم نُطلب للمغادرة من جديد، الأطفال تأثروا كثيرًا ونحن نحتاج إلى الاستقرار قبل أي شيء آخر”.

وتشير فاطمة إلى أن المدارس، رغم بساطتها، وفرّت حدًا أدنى من الأمان، خاصة من حيث توفر المرافق الأساسية وقربها من الخدمات، وهو ما تخشى الأسر فقدانه في المواقع البديلة.

مراعاة الأبعاد النفسي

في السياق نفسه، يرى مراقبون أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إخلاء المدارس، بل في كيفية تنفيذ هذه العملية بطريقة تراعي الأبعاد الإنسانية. فبحسب تقديرات غير رسمية، تستضيف مدارس ولاية البحر الأحمر آلاف النازحين منذ اندلاع النزاع، ما جعلها ملاذًا مؤقتًا لكنه حيوي للعديد من الأسر.

ويحذر مختصون في الشأن الإنساني من أن أي خطوة لإخلاء هذه المراكز يجب أن تكون مصحوبة بخطة واضحة ومعلنة، تتضمن توفير بنية تحتية مناسبة في مواقع الإيواء البديلة، بما يشمل خدمات المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية، فضلًا عن ضمانات أمنية كافية.

في المقابل، شددت لجنة الطوارئ على أنها تعمل على التنسيق مع الجهات ذات الصلة بملف العودة الطوعية، بهدف توفير ظروف ملائمة تتيح للنازحين العودة إلى مناطقهم الأصلية بشكل آمن وكريم. غير أن هذا الخيار، وفقًا للعديد من النازحين، لا يزال غير متاح في ظل استمرار التحديات الأمنية والخدمية في مناطقهم.

تحقيق التوازن

يقول عبد الرحمن الطيب، وهو أحد النازحين من دارفور في حديثه لـ”أفق جديد”: “العودة بالنسبة لنا حلم، لكنها ليست ممكنة الآن، لكن لا توجد خدمات، ولا استقرار أمني، وإذا أجبرنا على المغادرة دون بديل حقيقي، فسنكون في وضع أسوأ بكثير”.

ويرى خبراء أن نجاح هذه الخطة يعتمد على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات العملية التعليمية واحتياجات النازحين، وهو أمر يتطلب تنسيقًا عالي المستوى بين الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية.

ومع اقتراب موعد امتحانات الشهادة الثانوية، تتزايد الضغوط على السلطات لتنفيذ الخطة في وقت قياسي، دون الإضرار بالأوضاع الإنسانية الهشة أصلًا. وبينما يأمل الطلاب في استعادة بيئة تعليمية مناسبة، يتمسك النازحون بحقهم في الحصول على مأوى آمن ومستقر.

في نهاية المطاف، تبقى القضية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجهات المعنية على إدارة الأزمات المركبة، حيث تتقاطع الاعتبارات التعليمية مع التحديات الإنسانية، في مشهد يعكس تعقيدات الواقع الذي تعيشه البلاد.

وفي ظل استمرار الحرب يواجه أكثر من 21 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، مع تأكيد حدوث مجاعة في أجزاء من البلاد، حيث حالت أشهر من القتال دون وصول عمال الإغاثة، واضطر نحو 12 مليون شخص إلى الفرار من منازلهم، كما يعاني 3.7 مليون طفل، إضافة إلى الأمهات الحوامل والمرضعات من سوء التغذية.

وتتفاقم المعاناة الإنسانية في السودان جراء الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح أكثر من 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها.

Exit mobile version