حين تصبح البندقية لغة رسمية والقلم شاهد زور

حيدر المكاشفي 

هناك مقولة متداولة فحواها (عندما يمسك بالقلم جاهل وبالبندقية مجرم وبالسلطة خائن يتحول الوطن الى غابة لا تصلح لحياة البشر)..

 الحقيقة ان هذه المقولة ليست مجرد عبارة بلاغية، بل تشخيص مكثف لمسار الانهيار حين تختل موازين العقل والأخلاق في إدارة الدولة. فحين يمسك الجاهل وصاحب الغرض والاجندة بالقلم، المؤكد انه لا يكتب معرفة بل يزور الوعي، وحين يحمل البندقية فهو بالضرورة لا يحمي الوطن بل يروّع أهله، وحين يتسلق السلطة تكون النتيجة الحتمية انه لا ولن يحكم بالعدل بل يخون الأمانة. وعندها ونتيجة وخلاصة لذلك لن يكون الوطن وطناً، بل غابة يتنازعها الأقوى سلاحاً والأكثر بطشاً.

وفي سودان الحرب اليوم، لا تبدو هذه الصورة مجازية، بل واقعاً معاشاً. فالحرب التي تمزق البلاد ليست مجرد صراع على السلطة، بل نتيجة تراكم طويل من تدمير الوعي وتسييس الجهل. لقد أُفرغ القلم من معناه، وتحول الإعلام في كثير من مراحله إلى أداة تضليل، تبرر القمع وتعيد إنتاج الأكاذيب، وتخدّر الناس بشعارات جوفاء. وحين يغيب العقل النقدي، يصبح المجتمع أرضاً خصبة لكل خطاب تعبوي يقود إلى الكارثة. أما البندقية فقد خرجت عن وظيفتها الأصلية كأداة لحماية الوطن، لتتحول إلى وسيلة لفرض الإرادة بالقوة. تعددت البنادق وتفرقت الولاءات، فصار السلاح بلا عقيدة وطنية جامعة، بل خادماً لمشاريع ضيقة، قبلية كانت أو أيديولوجية أو شخصية. وهنا لم يعد القتل استثناءً بل ممارسة يومية، ولم يعد الأمان حقاً بل حلماً مؤجلاً. لكن الأخطر من ذلك كله هو حين تختطف السلطة. فالخيانة هنا ليست فقط في الفساد أو الفشل، بل في تحويل الدولة نفسها إلى أداة ضد مواطنيها. تُنهب الموارد، تُقمع الحريات، تُشعل الحروب، ثم يُطلب من الشعب أن يدفع الثمن صامتاً. في هذه اللحظة، تنهار فكرة الدولة ويتلاشى العقد الاجتماعي ويحل منطق الغابة، من يملك القوة يفرض نفسه وقانونه. والحرب في السودان كشفت هذه المعادلة بوضوح قاسٍ. فحين اجتمع القلم الجاهل والقلم صاحب الغرض مع البندقية المنفلتة والسلطة الخائنة، كانت النتيجة بلداً ممزقاً ومؤسسات منهارة ومجتمعاً يدفع ثمن عقود من العبث. لم تعد الأزمة مجرد صراع سياسي، بل أزمة عميقة في بنية الوعي وفي قيمة المعرفة وفي أخلاق الحكم. غير أن الخروج من هذه الغابة ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب عكس المعادلة، قلم حر يكتب الحقيقة لا الدعاية وبندقية منضبطة تحت سلطة وطنية لا مليشياوية، وسلطة تبنى على الكفاءة والمساءلة لا على الولاء والبطش. أما دون ذلك سيظل الوطن رهينة لمن لا يجيدون سوى الهدم.. في النهاية ليست المشكلة في الأدوات نفسها القلم والبندقية والسلطة بل فيمن يحملها. فإذا غاب العقل وحضرت الشهوة، وإذا غابت المسؤولية وحضر الطمع، فإن كل أداة تتحول إلى وسيلة خراب. وتلك هي مأساة السودان حين تسلم مفاتيح الوطن من لا يعرفون قيمته، فكان أن ضاع بين أيديهم.. 

في السودان لم يعد السؤال اليوم من يحكم، بل بأي قدر من الجهل يحكم، وبأي نوع من البنادق يفرض حكمه، وبأي مستوى من الخيانة يطيل عمر الكارثة. فالمعادلة التي صاغتها المقولة ليست حكمة عابرة، بل دستور غير مكتوب لدولة تديرها المصادفات الرديئة جاهل وصاحب غرض يكتب، ومسلّح يقرر، وخائن يوقّع. فحين يمسك الجاهل وصاحب الغرض والاجندة بالقلم، لا يخط سطراً بل يحرر بياناً للكارثة. تتحول الكلمات إلى دخان كثيف يغطي على الحرائق، وتصاغ الأكاذيب ببلاغة رديئة تشبه طلاءً لامعاً فوق جدار متشقق. الإعلام إلا من رحم ربك صار نشرة طقس للانهيار، اليوم كذب كثيف، وغداً تضليل متفرق، مع احتمال سقوط شظايا حقيقة في الأطراف. وهكذا يدار وعي الناس بجرعات منتظمة من الوهم، حتى يعتادوا العتمة ويخافوا من الضوء. وحين يحمل المجرم البندقية لا يسأل من العدو، بل أين الغنيمة، تختفي الحدود بين الحرب والنهب، بين العملية العسكرية والعملية التجارية. تفتح البيوت كما تفتح الخزائن، ويقاس النصر بعدد الشاحنات لا بعدد الأرواح التي حُميت. البنادق هنا لا تدافع عن وطن بل تفاوض به، تبيع وتشتري في سوق مفتوح اسمه السودان. أما حين يتسلّق الخائن إلى السلطة، فحدّث ولا حرج. تُدار الدولة كأنها شركة مفلسة تبحث عن مشترٍ، لا ككيان يحمي شعبه. تُوقَّع القرارات كما تُوقَّع إيصالات الاستلام، استلمنا وطناً وسلمناه خراباً. تُرفع الشعارات الكبيرة السيادة، الكرامة، الأمن ثم تُستخدم كأغطية لتهريب الواقع إلى أسوأ نسخة ممكنة منه. الخيانة هنا ليست زلة، بل سياسة عامة. وهكذا تكتمل اللوحة قلم يضلّل، بندقية تنهب، وسلطة تبيع. والنتيجة وطن يتحول إلى غابة، لكن حتى الغابة لها قوانين أكثر رحمة. ففي الغابة لا يقتل الأسد كل يوم لُيثبت أنه أسد، ولا تعقد مؤتمرات صحفية لتبرير افتراس الغزلان. أما في نسختنا السودانية فكل شيء يحتاج إلى بيان توضيحي حتى الكارثة. الحرب الحالية ليست انفجاراً مفاجئاً، بل حصيلة إدارة سيئة استمرت سنوات، إدارة للجهل باعتباره رأياً، وللعنف باعتباره حلاً، وللخيانة باعتبارها حنكة. وعندما تجتمع هذه الثلاثية لا تنتج دولة بل مسرحاً عبثياً ممثلون مسلحون، نصوص ركيكة، وجمهور يدفع ثمن التذكرة من دمه. المفارقة أن الجميع يتحدث عن إنقاذ الوطن، بينما لا أحد يريد إنقاذ الفكرة نفسها أن يكون هناك وطن أصلاً. فالوطن يحتاج إلى عقل يكتب، لا إلى يد ترتجف على قلم لا تفهمه، يحتاج إلى بندقية تحرس، لا إلى أصابع تتعامل معها كأداة رزق، يحتاج إلى سلطة تخجل من الخيانة، لا تتقنها. والخروج من هذه المهزلة لا يبدأ بتبديل الوجوه، بل بكسر القاعدة، لا قلم بلا معرفة، لا بندقية بلا عقيدة وطنية، ولا سلطة بلا مساءلة. غير ذلك سنظل ندور في نفس الحلقة، نبدّل اللاعبين ونحتفظ باللعبة، ثم نتفاجأ أن النتيجة دائماً… خسارة. وفي السودان المشكلة لم تعد في من يحمل الأدوات، بل في أن الأدوات نفسها أصبحت تُسلَّم بإصرار عجيب لأسوأ من يمكن أن يحملها. وعندما يحدث ذلك، لا تسأل لماذا احترق البيت بل اسأل من أعطى علبة الثقاب لطفل يلهو وسط البنزين..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى