
هو كاتب صحفي ومحلل سياسي، اتخذ من الضمير الإنساني حبراً له، متمسكاً بمهنية واستقلالية صارمة، برز اسمه كواحد من الأصوات التحليلية الناقدة والمؤثرة، مستنداً إلى خلفية معرفية واسعة وشغف مبكر بالقراءة منذ السبعينات بمدينة النهود، تفتحت مداركه في بيئة بسيطة عززت إرتباطه بقضايا الطبقة الكادحة والدفاع عن مصالحها ليكون لذلك التأثير المباشر على توجهاته المهنية والفكرية. بدأت مسيرته المهنية في منتصف الثمانينات متدرجاً في سلالم السلطة الرابعة من محرر إلى مواقع قيادية بصحف مختلفة، كما استطاع أيضاً أن يصنع “جراباً للرأي” لم يبخل فيه على جمهوره من القراء من تناول الأحداث اليومية والتحليل العميق للواقع السياسي و البعد الثقافي مقدماً النصح والرأي في قضايا البلاد العامة.
حوار: رحاب فضل السيد
حدثنا عن النشأة والبيئة الإجتماعية التي شكلت بدايات عبد الله رزق؟
يقال إن الشخص الذي يقرأ كتيراً ينمي ملكة الكتابة لديه، أنا أؤرخ لنفسي ببداية تعلقي بالإطلاع والقراءة ، هكذا تعرفت على نفسي كقارئ نهم، خلال فترة الدراسة بالمرحلة المتوسطة ، في بداية السبعينات بمدينة النهود .وفي هذه الفترة المهمة من تاريخ السودان التي شهدت نوعاً من أنواع التطور السياسي ، ساهم في تشكيل وعيي السياسي والفكري والثقافي واهتماماتي في هذه المجالات التي لازمتني لاحقاً وقد بدأت اهتماماتي بالكتابة في القضايا العامة التي كانت مدخلي للصحافة الورقية والحائطية التي شاركت فيها.
نشأت في بيئة اجتماعية بسيطة وكان والدي ناظر قرية في شرق النهود ، ويشتغل بالزراعة المطرية أيضاً، وهذا نمّى لدي الاهتمام بقضايا الطبقة الكادحة والدفاع عن مصالحها كمدخل للإهتمامات السياسية ، التي نتجت عنها في منتصف الثمانينات الالتحاق بالصحف ذات الصلة كمحرر أولاً ثم رئيس قسم وسكرتير تحرير.
كيف كانت بداياتك المهنية في الصحافة؟
تجاربي السابقة للرأي الآخر أتاحت لي الدخول لمهنة الصحافة، مزوداً بخبرة كافية لكن في جريدة “الرأي الآخر”عُرفت كصحفي محترف من خلال عمود يومي كنت أكتبه تحت عنوان “جراب الرأي” ، يتناول بالتحليل الراهن السياسي في تطوره اليومي ، أكثر من أي عمل تحريري آخر . وكان ذلك في الفترة من العام 97 حتى 2004 ، حيث شغلت بالجانب النقدي والبعد الثقافي للسياسة، بجانب ملاحقة الأحداث اليومية .وهذا ما أكسبني جمهوراً كبيراً من القراء والصحفيين الذين ينظرون لي الآن كصحفي مؤثر ومعلم. وتكاد تكون هذه المرحلة هي الميلاد الثاني لدخولي مهنة الصحافة، مع أن تجربتي في الرأي الآخر، قد سبقتها تجارب أخرى، اكسبتني من الخبرات ما لابد منه .
كيف تنظر الآن إلى البدايات التي ساهمت في تشكيل وعيك ؟
تعتبر السبعينات من القرن الماضي فترة مهمة. فقد شهدت جملة من التطورات على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي . من ذلك أن اليسار بلغ إحدى ذراه. وبلغ الاستقطاب بين معسكرين اليمين واليسار، في كل مجال ، وطنياً وإقليمياً وعالمياً، مداه . وشهدت الفترة أحد الأحداث ذات المغزى، التي وجدت لها مكاناً في إبداع وردي : “لقاء ناصر ، لقاء ياسر وقذافي ونميري “. وهو حدث ساهم في تعميق الرؤية وتحذير الوعي وتوسيع نطاقه. لم أكن بعيداً عن تأثيرات مثل هذه المتغيرات. غير أن ذلك التغير وما رافقه من تطور جرى، على مستوى الوعي، والإدراك ، والقدرة على رؤية الأوضاع بشكل أفضل، ومختلف . مع إنه لم يكن على حساب المهنة التى ظلت الاستقلالية والحياد السياسي بعضاً من شروط نزاهتها في القيام بدورها الرسالي. وقد بلغ الإلتزام بهذا المعيار من النزاهة حداً جعل صحيفة ذا نيويورك تايمز الأمريكية تمنع، في ميثاقها المهني، محرريها من التعاطي مع السياسة، مما يمكن عده انتهاكا لبعض الحقوق الإنسانية للصحفي. ومع ذلك فقد استقر الرأي على اعتبار الانتماء الأول للصحفي هو الانتماء للشعب، والتزامه الأول هو تجاه الحقيقة .
لكن الصحافة السودانية لم تكن بعيدة عن السياسة؟
يمكن التقرير بأن تاريخها هو امتداد للتاريخ الوطني واذا كان قد راج تلخيص التطور السياسي للبلاد منذ الاستقلال في مقولة: ( انقلاب عسكري – انتفاضة شعبية – انقلاب عسكري ..الخ) ، فإن ما يقابل هذه المقولة في التطور السياسي للصحافة كانعكاس للسياسة وامتداد لها، يمكن اقتراحه في مقولة مناظرة تتمثل في: (شمولية – تعددية – شمولية …الخ).
ما التأثير المباشر لهذا التطور المرتبك؟
نتج عن هذا التطور المرتبك للصحافة، ما عرف بانقطاع التواصل بين الأجيال ، بحيث أصبح لكل عهد سياسي صحفيوه، ولكل زمان آية أو ايديولوجياه ،وبداية من صفر سياسي
مَن مِن الشخصيات التي تأثرت بها في مجالك المهني؟
لا أذكر شخصية محددة كان لديها تأثير عليّ كمثال، اتعرفت على نفسي كشخص مستقل اتخذ خياراته بدون تأثيرات مباشرة من أشخاص آخرين، اطلعت على مختلف الكتب في الأدب السياسي والشعر والثقافة وتعرّفت على قوس واسع من الأفكار المختلفة ويعتبر هذا أكبر مؤثر، كما يمكن القول أن كُتاباً بعينهم كان لهم قدر من التأثير لاطلاعي بشكل مبكر على مؤلفاتهم مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ونزار قباني وشعراء الأرض المحتلة وأبو الطيب المتنبي وشكسبير وجورجي زيدان ونجيب محفوظ وغيرهم. ونتيجة لولعي بالقراءة والاطلاع، يمكنني القول بأن الكتاب، كان له أكبر الأثر في تكويني أكثر من أي شخص.
كيف يمكن الجمع بين الاستقلالية منهج مهني، وبين السياسة كموقف ورؤى للصحفي؟.
لقد أفرز التطور السياسي والاجتماعي للبلاد صحفاً حزبية وأخرى غير حزبية “مستقلة” كما وجدت في ظل الشمولية صحف موالية للنظام الحاكم، التي يتمحور دورها في الترويج للنظام والدفاع عنه وتسويق سياساته، أكثر من اهتمامها بالتنوير ورفع منسوب الوعي الوطني لدى قطاعات الشعب المختلفة، يرتبط عمرها بعمر النظام .وقد راج تعميم في الأوساط الصحفية والسياسية يعضد المنحى المستقل للصحف، في مقابل الصحافة الحزبية. فمن واقع التجربة المعاشة، وعلى قصرها قياساً بعمر الأنظمة الديموقراطية التي تدعم التعددية، فإن بعض الصحافة المستقلة التي تضمر شيئاً من الولاء لحزب ما، قد أفادت الحزب المعني أكثر مما فعلت صحيفته الناطقة باسمه، أو لسان الحال. وهذا يتضح من أن صحيفتي أكبر حزبين في البلاد، لم تكونا من صحف المقدمة .
أين تقف الصحافة الآن، وما دورها الوطني في ظل هذا الاستقطاب الحاد؟
الصحافة تعمل في حدود امكاناتها ومما أتيح لها من حريات بداية من فترة الاستقلال، والصحافة عكست مدى عدم استقرار البلاد منذ عام 56 ولها مشاكلها الخاصة بها مثل انقطاع الأجيال والافتقار للتأهيل و التدريب والتمويل وتدهور قيمة العملة المحلية وارتفاع تكلفة الانتاج، وشح الاعلان، مروراً بفترة الإنقاذ التي صادرت الصحف حتى حرب إبريل 2023 وما صاحبها من تدمير للمؤسسات الإعلامية، وبنيتها التحتية وتهجير الصحفيين ضمن ملايين المواطنين، كل هذه الإشكالات شكلت عائقاأمام الصحافة للقيام بدورها بشكل كامل. ومواكبة التطورات العالمية في المجال، خصوصاً، ثورة تكنولوجيا الاتصال.
لماذا فشلت القوى السياسية في وقف الحرب؟
القوى المدنية لم تستطع إيقاف الحرب لأنها تعتمد على أدوات مدنية، وسلمية مثل الخطابات والندوات والتعبئة السياسية والإضرابات، وهذه الأشكال ماعاد ممكنا ممارستها من الداخل في ظل الحرب التي تعتمد أطرافها على البندقية، لذلك فقدت القوى المدنية ميدانها الذي تعمل فيه وعجزت عن إيقاف الحرب طالما لم تحمل ذات السلاح. هنالك جهود مدنية مبذولة سيكون لها أثرها مهما تأخرت، لأن الحرب لابد أن تتوقف لأنها ليست من طبيعة الأشياء أو من متطلبات الحياة.غير أن عمليتي الحرب والسلام تتأثران بالعديد من العوامل الداخلية والخارجية. فمن شأن الصراع الأمريكي- الإيراني، على سبيل المثال وانشغال المجتمع الدولي به، يمكن أن يتسبب في تأخير استكمال عملية السلام في السودان.
لماذا الصراع الأمريكي – الإيراني بالذات؟
لأن عملية السلام ، أصبحت ، ومنذ حين من الدهر مرتهنة بجهود واشنطن وحلفائها وقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ أن استجاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لطلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإطفاء نار الحرب في السودان . غير أن واشنطن لم تكن بعيدة عن الشأن السوداني، تكاد مبادرتها السلمية أن تكون الوحيدة العاملة في الساحة لذلك وجدت قدراً كبيراً من التأييد . لكن المساعي التي ظلت تقودها واشنطن وحلفاؤها لم يحالفها النجاح لافي استعادة مسار الانتقال الديموقراطي بقيادة مدنية ولا في ايقاف الحرب .
كما أدت أزمات فنزويلا وأوكرانيا وغزة وإيران إلى تأخير أزمة السودان في ترتيب أجندة البيت الأبيض ومفهوم السلام لدى ساكن البيت الأبيض، فدونالد ترامب الذي حرص على تقديم نفسه كرجل سلام، لم يخل من أجندة حربية وتبين أنه مشعل نيران حروب أكثر منه إطفائي. وقد يصطدم نزوعه الحربي مع تطلعات شعب السودان في سلام دائم ينزع جذور الحرب، ثمة تجربة ماثلة يتعين التوقف عندها لفهم جوهر سلام ترامب الذي ينتظره السودان، فقد وقع رئيسا الكونغو الديموقراطية ورواندا في واشنطن مؤخراً، اتفاقاً للسلام، بحضور دونالد ترامب، وغياب حركة إم٢٣ ، التي تقاتل الحكومة الكونغولية، ولكن قبل أن يجف حبر التوقيع، استؤنفت القتال في شرقي الكونغو الديموقراطية.
هل نتوقع أن تنتهي الحرب الأمريكية – الإيرانية قريباً؟
مصيرها أن تتوقف خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تلمح لذلك فهي لاتنتظر منها تحقيق إنتصار عسكري ولا ترغب في إعادة تجربتها في أفغانستان.
برأيك ماهي أسباب حرب 15 إبريل؟
الحرب الراهنة وليدة الصراع على السلطة بين طرفين كانا يشكلان جزء منها حتى 15 إبريل عندما تطورت التناقضات بينهما واتجها لحسم هذا التنافس عسكرياً، هذه من الأسباب المباشرة على الرغم من أن كثيرا من السودانيين يرون أن هذه الحرب لاتختلف عما سبقها من صراعات سياسية وإقتصادية واجتماعية منذ الاستقلال مع وجود جوانب منها متعلقة بغياب العدالة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية.
ما تداعيات وتأثير الحرب على الدولة والمجتمع؟
هذه الحروب في سابقتها أدت لإنفصال جنوب السودان، وهذا الخيار قد يصبح مصير أجزاء أخرى من السودان مثل الشرق وإقليم دارفور لذلك فان تأثيرها السلبي على الوحدة الوطنية قد يكون كبيراً.
من هم الفاعلون والمؤثرون خارجياً في هذه الحرب؟
الحرب تعتمد على السلاح والجهات التي تصنّعه وتبيعه، أطراف في الحرب. فالاطراف الفاعلة فيها لاتصنع السلاح بل تستورده من الخارج، فالقوى التي تسوّق السلاح لها مصلحة في اشعال الحرب واستمرارها، وهذه الجهات قد تكون أفرادا و قد تكون شركات قد تكون دولاً.
أين يقف الإعلام من هذا الصراع؟
الاعلام هو ضحية لبعض الظواهر السلبية التي رافقت الحرب من بدايتها، غياب المعلومات الحقيقية والتضليل الإعلامي وتفشي خطاب الكراهية، ما صعّب على المواطنين التعرف على حقيقة ما يجري داخل البلاد وخارجها والعوامل المؤثرة في ذلك، واتخاذ الموقف السليم مما يجري.
كيف تنظر للإعلام الحكومي الحالي؟
إذا افترضنا وجود إعلام، فأي إعلام لطرفي الحرب هو اعلام موظف لخدمة هذه الأطراف وغير موضوعي ويشكل جزء من الدعاية المضادة وجزء من أدواته.
لماذا ترفض الحرب؟
السلام هو الوضع الطبيعي الذي يعيش فيه الإنسان ويحقق فيه أحلامه وأمنياته ومشاريعه الحياتية، الحرب ليست خيارا، الخيار هو الحياة ومن طبيعة الأشياء إن البشر يفضلون الحياة والسلام ويرفضون الحرب، أنا واحد من هؤلاء.
ماهي فرص السلام في السودان؟
أي حرب مصيرها أن تتوقف إما بإنتصار أحد الطرفين أو فتور الطرفين أو تدخل قوى خارجية، هذه الحرب مهما طالت مصيرها أن تنتهي وتقف كما توقفت الحرب في أفغانستان بعد إنسحاب الولايات المتحدة الأمريكية بعد 18 سنة، كذلك إنسحاب فرنسا من مالي.
رؤيتك لمستقبل السودان؟
التجارب القاسية التي خاضها السودان أكسبته خبرة تمكنه من إعادة بناء نفسه بصورة أفضل وتجاوز كل العقبات التي مرّ بها وتحويل كل ذلك إلى وعي يحقق تطلعاته ومصالحه.
في هذه الحالة هل يمكن أن نتنبأ بمستقبل مشرق للصحافة؟
من المؤكد أن تواكب الصحافة السودانية هذه المتغيرات وستشكل رافعة مهمة في إضاءة الطريق لمستقبل أفضل للبلاد وللشعب السوداني.