أجيال السودان وإهدار التعليم (8) حين يخرج التعليم من حياة الناس

عثمان يوسف خليل
في كل مرة نتحدث فيها عن أزمة التعليم، نلجأ إلى الأرقام والتحليل، ونحاول أن نفهم الصورة الكبيرة. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن هذه الأزمة لا تُقاس فقط بالأرقام، بل تُروى بحكايات الناس.
هناك، بعيدًا عن العناوين، تبدأ القصة.
طفلٌ في إحدى مناطق النزوح، يستيقظ كل صباح دون أن يحمل حقيبته. ليس لأنه لا يريد الذهاب إلى المدرسة، بل لأن المدرسة نفسها لم تعد موجودة. اختفت كما اختفت أشياء كثيرة من حياته، وبقي هو ينتظر… دون أن يعرف ماذا ينتظر.
وفي مكان آخر، فتاة كانت من المتفوقات، توقفت عن الدراسة. ليس لضعفٍ في قدراتها، بل لأن الأسرة لم تعد قادرة على تحمل تكاليف التعليم، أو لأن الطريق إلى المدرسة لم يعد آمنًا. ومع مرور الوقت، يتحول التوقف المؤقت إلى انقطاع دائم، وتتحول الأحلام إلى مجرد ذكرى.
أما المعلم، الذي كان يومًا ما رمزًا للمعرفة، فقد أصبح يقف في مواجهة واقع قاسٍ. راتب لا يكفي، بيئة غير مستقرة، وتقدير يتآكل يومًا بعد يوم. ومع ذلك، يحاول أن يُمسك بما تبقى من رسالته، حتى لا يسقط كل شيء دفعة واحدة.
هذه ليست حالات استثنائية، بل نماذج تتكرر بصور مختلفة في أنحاء واسعة من السودان.
وهنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يعني أن يخرج التعليم من حياة الناس؟
يعني ببساطة أن ينشأ جيل دون أدوات الفهم. جيل يواجه الحياة بحدسٍ فقط، دون معرفة تسنده، ودون مهارات تحميه. ومع الوقت، لا تتوقف الخسارة عند الفرد، بل تمتد لتشمل المجتمع كله.
التعليم ليس فقط طريقًا للوظيفة، كما يُختزل أحيانًا، بل هو ما يمنح الإنسان القدرة على أن يرى، وأن يختار، وأن يرفض، وأن يُعيد تشكيل واقعه.
وحين يُحرم منه، لا يُحرم من فرصة فقط، بل من طريقة كاملة في النظر إلى العالم.
لهذا، فإن استعادة التعليم لا تبدأ من المباني وحدها، بل من إعادة الإيمان بقيمته. من شعور حقيقي لدى الناس بأن المدرسة ليست رفاهية، بل ضرورة.
نحتاج أن نُعيد الطفل إلى الفصل، لا بالقوة، بل بالأمل. أن يشعر أن هناك مستقبلًا ينتظره إن تعلم، لا فراغًا آخر.
نحتاج أن نُعيد للمعلم مكانته، لا بالكلمات، بل بالفعل. وأن نُعيد للأسرة ثقتها بأن ما تقدمه من أجل تعليم أبنائها لن يضيع.
هذه الحكايات، رغم بساطتها، تقول كل شيء: الأزمة ليست في التعليم وحده، بل في علاقتنا به.
وفي الحلقة القادمة، سنحاول أن نقترب أكثر من سؤال حساس:
كيف أثّرت الحروب والنزوح على شكل التعليم نفسه؟ وهل يمكن بناء نظام تعليمي في بيئة غير مستقرة؟
لأن ما نراه اليوم، ليس مجرد تراجع… بل إعادة تشكيل قاسية لمستقبل جيل كامل..





