عصام عبد الحفيظ.. كل عمل فني هو دعوة للسلام

حوار ٠٠ جالا زهاء

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة وتضيق فيه مساحات الضوء، يظل الفن أحد آخر المعاقل التي تحرس الذاكرة وتقاوم النسيان. ليس بوصفه ترفًا جماليًا، بل كفعلٍ إنساني عميق يعيد ترتيب الفوضى الداخلية والخارجية معًا. من هذا المنطلق، يأتي حوارنا مع الفنان التشكيلي  عصام عبدالحفيظ، الذي لا يتعامل مع اللوحة كمساحة صامتة، بل ككائن حيّ مشحون بالمعنى والتاريخ والإحساس.

تجربة عبدالحفيظ  ليست مجرد مسار فني، بل رحلة طويلة من البحث عن الذات، وعن لغة بصرية تتجاوز القوالب الجاهزة، وتمضي نحو تخوم التداخل بين الواقعي والتجريدي. في أعماله، يحضر الأسود والأبيض كخيار جمالي وفلسفي، لا كاقتصار لوني، بل كمساحة اختبارٍ للضوء والظل، وللقدرة على استنطاق الفراغ ذاته. كما تتقاطع في مشروعه الفني عناصر أخرى، كالموسيقى والقصيدة، في محاولة لخلق تجربة متكاملة تتجاوز حدود اللوحة.

في هذا الحوار، يفتح عصام عبدالحفيظ دفاتر تجربته الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، متوقفًا عند محطات أساسية شكّلت وعيه الفني، من اختيار عناوين معارضه ذات الدلالات العميقة، إلى موقفه من الفن في زمن الحرب، ورؤيته لمستقبل التشكيل السوداني. إنه حوار عن الفن بوصفه ذاكرة، ومقاومة، واحتمالًا دائمًا للحياة.

نص الحوار 

عُرف عنك أن اختيارك لتواريخ معارضك لا يكون اعتباطيًا، هل هذا صحيح؟

:نعم، هذا صحيح تمامًا. منذ وقتٍ مبكر، اعتدت أن أختار تاريخًا يحمل دلالة خاصة، وأن أبحث عن اسمٍ للمعرض يوازي النصوص البصرية التي أقدمها. بالنسبة لي، العنوان ليس مجرد لافتة، بل مدخل أساسي لفهم التجربة.

على سبيل المثال، معرض “10 يناير” ليس مجرد اسم، بل هو تاريخ يحمل معنى عميقًا. فقد اخترناه تخليدًا لذكرى استشهاد طه يوسف عبيد خلال انتفاضة طلاب مدني في يناير 1982. في ذلك الوقت، كنا طلابًا في الكلية، في سنة التخرج، وكنّا في رحلة إلى جبل مرة.

أقمنا أول معرض جماعي لنا في فندق الميريديان بالخرطوم، بمشاركة الفنانين عبد الله الفكي، وأحمد عمر، ومنى الشوربجي، وكان ذلك في الذكرى الأولى لاستشهاد طه – رحمه الله.

من هناك بدأت فكرة التسميات، ولم تعد لاحقًا خيارًا، بل أصبحت ضرورة تسبق التفكير في أي معرض جديد. تكررت هذه الفكرة في عدة معارض، مثل:

“فصول الذاكرة” بالمركز الفرنسي عام 1996،

و”صرخة أزوم” بالمركز الألماني عام 2005،

و”الأسود أجمل” بشمس قالري عام 2008،

و”أسود وأبيض (52)” الذي أُقيم في بيت التراث خلال أيام الثورة،

و”غياب الذاكرة” بداون تاون قالري بالخرطوم عام 2023.

أؤمن أن التسمية تلعب دورًا مهمًا في جذب المتلقي نحو اللوحة، خاصة في ظل ضعف التواصل مع الفنون التشكيلية في مجتمعنا، حيث غالبًا ما يتم التعامل معها بشكل سطحي، مع تراجع دورها في التغيير وبناء الوعي.

وهذا، في تقديري، يعود بشكل كبير إلى غياب تدريس الفنون بعد السلم التعليمي، وتلاشيها تقريبًا منذ تسعينيات القرن الماضي.

هذا المعرض يضم 52 لوحة، وهو في جوهره محاولة لاستدعاء الذاكرة في رحلتها الطويلة؛ ذاكرة رأت وعاشت، ومرت بحالات من السكون والغياب. الأعمال وتواريخها تمتد لأكثر من ثلاثين عامًا، وتتنوع فيها الأساليب، حيث يضم المعرض 16 لوحة بالأبيض والأسود، إلى جانب أعمال ملونة تغطي مراحل مختلفة، وصولًا إلى فترة الحرب وما بعدها.

المعرض في مجمله يوثق لتجربة طويلة في الرسم، وما يؤلمني حقًا أن يُعرض بعيدًا عن السودان.

كما أنني سعيت فيه إلى تحقيق نوع من التكامل بين الموسيقى واللوحة والقصيدة، لذلك كان الإيقاع النوبي حاضرًا طوال أيام المعرض، من خلال أعمال الفنان السوداني النوبي حمزة علاء الدين، وبمشاركة مميزة من الفنانة سير عابدين والموسيقار خليل عمر.

من خلال هذه التجربة، أوجه دعوة مفتوحة لكل المبدعين لخلق مشاريع مشتركة، تفتح نوافذ للحب والسلام.

كيف تصف أسلوبك في الرسم؟ هل هو تجريدي؟

:بعد التخرج، كنت متأثرًا كثيرًا بفترة الدراسة، وكنت أحاول البحث عن أسلوب يعبر عني. في تلك المرحلة، اشتغلت كثيرًا على الحبر الصيني على الورق، وكذلك الألوان المائية.

استمراري في العمل بالأبيض والأسود قادني تدريجيًا إلى اكتشاف مسار خاص، يمكن أن نقول إنه يزاوج بين الواقعية والتجريد. هذا التحول لم يكن سريعًا، بل أخذ مني وقتًا طويلًا من التجريب والتأمل.

مع مرور الوقت، بدأت تتلاشى كل المفاهيم المسبقة، وأصبحت معالجة البياض في حد ذاتها هي التحدي الأكبر؛ كيف يمكن استنطاق الفراغ؟ كيف يتحول الصمت إلى معنى؟

من هنا بدأ حوار مستمر بيني وبين اللون والمساحة، حوار حر وأكثر تعبيرية، لا تحكمه قواعد صارمة، بل يقوده الإحساس والتجربة.

 هل يلعب الفن دورًا في إحلال السلام؟:

بالتأكيد، يلعب الفن دورًا عميقًا في ذلك. لو أن الدول والأنظمة أولت الفنون الاهتمام الذي تستحقه، وجعلتها جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، لما وصلت المجتمعات إلى هذا الحد من الحروب.

اليوم، في ظل ما نعيشه، أصبحت الفنون بمثابة وسيلة لتضميد جراح الحرب، وبث المحبة رغم الشتات. كل عمل فني، بشكل أو بآخر، يحمل دعوة للسلام.

كما أن للفن دورًا مهمًا في التعافي من الصدمات النفسية (الترومات) التي تتركها الحروب ومآسيها.

ما هو موقف الفن التشكيلي السوداني اليوم؟

الفن التشكيلي السوداني يمتلك صوتًا قويًا ومؤثرًا في المحافل الدولية، وهذا لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد لجهود كبيرة بذلها رواد كبار، مثل إبراهيم الصلحي، وشبرين، وعثمان وقيع الله، وعامر نور، ومحمد عمر خليل، وكمالا إبراهيم إسحاق.

هذه الأسماء وغيرها أسست لحضور مهم، تُرجم في معارض عالمية كبرى، منها معارض في لندن، مثل تلك التي احتضنت أعمال إبراهيم الصلحي، إلى جانب حضور مستمر في صالات أوروبا على مدى أكثر من خمسين عامًا.

اليوم، نرى امتداد هذا الحضور من خلال فنانين مثل حسن موسى وإسلام زين العابدين، وغيرهم كثير ممن يصعب حصرهم.

وعلى مستوى الجوائز، حقق الفنانون السودانيون إنجازًا لافتًا بحصول أكثر من عشرة فنانين على جائزة نوما لرسومات الأطفال، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الجائزة.

ولا يمكن أن نغفل واحدة من أكبر التظاهرات التشكيلية السودانية، وهي معرض “مدرسة الخرطوم” عام 2016، الذي شارك فيه أكثر من 70 فنانًا وفنانة، بإشراف القيّم البروفسور صلاح الجقر، في إمارة الشارقة.

كما أن حضور الفن السوداني يتجلى بوضوح في أفريقيا، في دول مثل مصر، كينيا، المغرب، إثيوبيا، يوغندا، وجنوب أفريقيا.

وقد بدأت متاحف عالمية مهمة في اقتناء أعمال لفنانين سودانيين، من بينهم الفنان صلاح المر من جيل الشباب.

كل ذلك يؤكد أن الفن التشكيلي السوداني، رغم كل التحديات، ما زال حيًا، ومؤثرًا، وقادرًا على الوصول إلى العالم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى