
وجدي كامل
أصبح من الممكن حاليًا، وفي ظل التصعيد المتسارع للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، توصيف المشهد باعتباره صراعًا بات يتجاوز حدوده الإقليمية، ليقترب من لحظة إعادة تعريف العالم على أساس القوة الاقتصادية.
غير أن هذا التصعيد — وعلى محمل هذا التعريف — اصبح يشكّل فخًا استراتيجيًا، ليس للولايات المتحدة فحسب، بما يترافق معه من تمدد اقتصادي مفرط وتآكل تدريجي في هيمنة الدولار عالميًا، بل أيضًا لما يُحدثه من تحولات جوهرية في “الجغرافيا الاجتماعية” وضربها بالأزمات الاقتصادية البنيوية، وليس الاقتصاد الخليجي سوى مثال فقط.
وبالإضافة إلى ما يُوجَّه من اتهامات مباشرة إلى النادي الرأسمالي الضيق الحاكم في الولايات المتحدة بفشله في خفض التصعيد بنوايا الالتهام لاقتصاديات الدول الأخرى ، يقود ذلك أيضًا إلى اتهام منظومة الوعي السياسي لهذا النادي بتفضيل المصالح الاقتصادية. وبالنظر إلى ما تمثّله شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رمزية قيادية، فإن العجز عن تجنيب العالم كارثة وفوضى منهجية تقترب من الانفجار — إن لم تكن قد انفجرت بالفعل.
إن ما يجري ليس مجرد صراع عسكري إقليمي، بل هو فخ متعدد الأبعاد، صُمّم — سواء عن قصد أو نتيجة زخم منظومي — لاستنزاف الولايات المتحدة. ويعمل هذا الفخ على ثلاثة مستويات رئيسية:
1- الاستنزاف الاقتصادي:
يتفاقم ضعف الاقتصاد الأمريكي بفعل التكلفة غير المستدامة للتصعيد. ومع تجاوز الديون حدودًا حرجة، يُجرَّد الدولار الأمريكي تدريجيًا من غطائه أو دعمه.
2- إعادة التموضع الجغرافي:
تشهد “الجغرافيا الاجتماعية” للعالم تحولًا متسارعًا؛ إذ تتحرك التحالفات التقليدية، خاصة في الخليج، نحو واقع متعدد الأقطاب (الصين، إيران، ومجموعة بريكس)، مع تزايد النظر إلى الولايات المتحدة كشريك غير موثوق أو عالق.
3- نقطة اللاعودة:
تتقدم الإجراءات السياسية الداخلية نحو مسارات السيطرة والتصعيد إلى حد يجعل من الصعب على الإدارة الحالية، بقيادة دونالد ترامب، “التوقف اليوم”، رغم أن تكلفة التوقف “غدًا” ستكون أعلى بكثير.
أزمة الوعي السياسي:
لا يُقصد بتوصيف أساس الأزمة بتعميم مفهوم الوعي، بقدر ما يُقصد هنا الوعي السياسي الخاص بعضوية هذا النادي، وعلى رأسه الرئيس دونالد ترامب، بما يعكسه من أولويات اقتصادية تقوم على تراكم رأس المال لدى القلة على حساب الغالبية.
وقد بدا ذلك واضحًا في سياسات مثل غزو فنزويلا واختطاف رئيسها، في تجاوز صارخ للتقاليد الأخلاقية في ممارسة السياسة الدولية. لذلك فإن الأزمة — أزمة الوعي السياسي — تتصل بأزمة الوعي السياسي الديمقراطي المرتبط بالممارسة الديمقراطية للسلطة، وضيقها بالمحددات والشروط الأخلاقية. وهذا يستدعي إعادة النظر في مضمون الديمقراطية الأمريكية بأكملها: أيّ ديمقراطية هي؟
وللمراقب أن يلحظ مفارقة الممارسة السياسية الأمريكية، تاريخيًا، لكثير من القواعد الديمقراطية، كما تجلّى ذلك في تعدد الحروب التي شنتها الإدارة الأمريكية ضد عدد من الدول، وليست إيران آخرها.
إن تصاعد ما يمكن تسميته بالقسوة الاقتصادية للنخب الرأسمالية الحاكمة ليس سوى تعبير دقيق عن الإطاحة بالمصالح الشعبية للأمريكيين، والانفصال التام عن واقعهم. غير أن ما يعمّق الأزمة العالمية الحالية ليس فقط هذا النادي الحاكم، بل أيضًا سلبية الأدوار التي تلعبها منظمات كالأمم المتحدة ومجلس الأمن، وغيرها من قوى لم تعد تمثل واقع العالم الحالي، بعد أن أصبحت أممًا غير متحدة وعاجزة عن تطبيق القانون الدولي.
من الضروري، ونحن نبحث عن أهم أسباب الأزمة، تسمية معضلة الإعلام واحتكار المعلومات، إذ أدركت “النخب السلبية” والقادة الرأسماليون أن السيطرة على السرد هي السلاح الأهم.
فمن خلال الاستحواذ على قنوات التلفزيون والإذاعة والمنصات الرقمية، صارت هذه النخب تقدم “رسائل مضللة” تهدف إلى إخفاء حقيقة الانهيار الاقتصادي، ومنع نشوء وعي لدى الشباب، للحفاظ على “احتكار الواقع”، بما يبرر استمرار الصراع.
فما لم يتم إنشاء “وكالة أخبار عالمية مستقلة جديدة” لمواجهة هذا الاحتكار، فلن يمكن نشر “روح الوعي” اللازمة لتجاوز الأزمة.
للخروج من الفخ وتجنب مستقبل قاتم من الفوضى العالمية، نحتاج إلى استراتيجية ضغط مزدوج، تستوجب أن يجتمع مفكرون وباحثون عالميون و”مرايا للنخبة الأمريكية” على “مائدة مستديرة” لتحديد خطاب جديد، يتضمن “قواعد جديدة” و”منظمة دولية جديدة” تحل محل الهياكل المتقادمة.
وكذلك يجب إعادة إيقاظ “الناس العاديين” الذين يعانون من النتائج الاقتصادية للتصعيد؛ فمعاناتهم هي محرك التغيير. وعندما تُوجَّه طاقتهم عبر سردية موحدة، يصبحون “قلب العالم” الذي يُجبر النخب على الاستماع، بدلًا من الاستماع لما تبثه المؤسسات الإعلامية القابضة التي تتوسع محاولات السيطرة عليها من قبل النادي الضيق.
وبالرغم من عدم وجود حلول دائمة ومستدامة لأزمات العالم، وخاصة هذه الأزمة، إلا أن أحد الحلول التي أجدها ناجعة يتمثل في أهمية العمل على نقل العالم من ثقافة التنافس إلى ثقافة الاعتماد المتبادل عالميًا. وهذا يستدعي البدء بتصميم خطط لثورة تعليمية، وأخرى إعلامية، تمضي نحو بناء منصات مستقلة تتجاوز قنوات المليارديرات، للوصول إلى الشباب والأجيال الجديدة، من أجل توحيد الأصوات عبر دمج جميع السرديات البديلة في “بيان عالمي” واحد، والمناداة بقمة عالمية للأصوات البديلة.
إننا في لحظة حرجة من التاريخ. وعندما يحيط الخطر بنا من كل جانب، يصبح لزامًا علينا التوجه نحو العمل المشترك، وبناء استراتيجيتنا وخطابنا بوضوح. فمن خلال توحيد أصواتنا وأفعالنا عبر مؤسسات مستقلة، يمكننا نقل العالم من مرحلة “الكارثة والفوضى” إلى مرحلة تحقيق الأهداف العقلانية، عبر إنشاء نظام عالمي جديد قائم على الحقيقة، والسلام، والأمن الاقتصادي، واحترام حقوق الآخرين.