النص الذي قتل الفنان محمد الامين ..قصيدة ،فديتك يا وطن ….

بقلم : يوسف الغوث

في زحام الذاكرة السودانية، حين تختلط الأغنية بالوجع، تظل حكاية النص الذي لم يكمل حلقة من أعذب ما في التراجيديا الفنية…

فليس كل نص يكتب ليلحن، وليس كل لحن يحمل إلى قبر صاحبه…. لكن في حالة الموسيقار محمد الأمين وقصيدة هاشم صديق (فديتك يا وطن) كان النص ثقيلًا بما يكفي ليكون آخر ما حمله الفنان قبل رحيله….

ليس هنالك خلاف في أن الفنان محمد الأمين واحداً من أعمدة الأغنية السودانية الحديثة، بصوته العذب وتوزيعه الدقيق وإحساسه المرهف. وحين وقعت عيناه على قصيدة هاشم صديق (فديتك ياوطن) شعر أنها ليست مجرد كلمات، بل مرثية لوطنٍ متعب، ونشيد لأمة تبعث من رحم المعاناة كل يوم… فالقصيدة تحمل في طياتها سؤالاً وجوديا (كأنك يا وطن مجبور على الفجعة ونقيح الهم)

كأنك من عصور ودهور

مقسم بين وجود وعدم..

إن كلمات القصيدة فيها من الرصانة والعمق ما يجعلها تحدياً لأي ملحن….

لقد شرع الفنان محمد الأمين في تلحين القصيدة،، لكنه سرعان ما اكتشف أن النص لا يريد أن يُكمل. فقد كان يقف أمام جبلٍ من المعاني، يحاول أن يجد النغمة التي تسع كل ذلك الألم دون أن تنكسر.

يحكي عازف الأورغ القدير ماهر تاج السر، الذي كان قريباً من محمد الأمين في تلك الفترة، تفاصيل مؤثرة حيث يقول إن أبو الأمين كان يعكف على النص في منزله، ويجرب ألحاناً مختلفة، لكنه كان يعود دائماً متعباً ومرهقاً للغاية،،و في إحدى المرات، قال له محمد الأمين بحسرة(هذا النص اتعبني جداً. يا ماهر، فكلمات  هاشم تحمل رصانة تجعلك تقف عاجزاً…

 فالموسيقار الذي جاب أروقة الغناء السوداني بكل ثقله، وجد نفسه لأول مرة أمام نصٍ يسحقه بدل أن يسحره،،ثم يواصل الأستاذ/ ماهر بقية حديثه قائلا(إن محمد الأمين كان يحب النص

كثيراً، لكنه كان يشعر أنه لا يستطيع أن يكمل تلحينه حيث كانت آثار التعب بائنة على وجهه)

لم يمهل القدر محمد الأمين طويلاً،،

حيث فاجئه الموت بعد أيام من تلك المحاولات، فترك  النص معلقاً بين الوجدان والنسيان،،. وكان النص نفسه كان يعلم أن صاحبه لن يكمله، فاختار أن يظل شاهداً على لحظة الالتقاء الفني التي لم تكتمل.

هناك من يقول إن النص كان ثقيلاً جداً على روح الفنان، وكأنه حمل من الأسى ما لا تحتمله روح بشرية،،ولكن الأقرب إلى الحقيقة أن محمد الأمين كان يعيش في تلك الفترة ظروفاً صحية صعبة، وأن النص جاء في لحظة ضعف، ليكون مع المرض لوحة واحدة من الوجع.

لم يبق من محاولات محمد الأمين في تلحين (فديتك يا وطن) سوى شذرات في ذاكرة المقربين ،،بعضهم يقول إنه كان قد قطع شوطاً في المقدمة الموسيقية، وأنه اختار مقاماً حزيناً يحاكي ثقل الكلمات و أوجاع الحرب..

 لكنه لم يسجل شيئاً، ولم يكمل النغمة… فبقي النص كما هو، شعْرا خالصاً، ينتظر من يكمل ما بداه الفنان محمد الأمين.

لا اجزم بأن هنالك من يستطيع اكمال  تلحين القصيدة، لكن ظني أن هذه القصيدة

سوف تكو عصية على كثير من الفنانين،، لاعتبار أن القصيدة قطعت عهداً على نفسها ألّا تغنى إلا  بصوت من رحل…

 

خاتمة

ربما لم يكن محمد الأمين يعلم أنه وهو يحاول تلحين (فديتك يا وطن) كان يكتب آخر فصول حياته الفنية،،. وربما لم يكن هاشم صديق يعلم أنه يكتب نصاً سيكون شاهداً  على رحيل أعظم من حاول صياغته نغما،،

 لكن ما حدث يبقى درساً في العلاقة المقدسة بين الكلمة واللحن فليست كل الكلمات تصلح لأن تغنى، وليست كل الألحان تصلح لأن تسمع، فاحياناً يكون النص ثقيلاً جداً لدرجة أنه يحمل معه روح من حاول إحتضانه.

اليوم، حين تردد قصيدة فديتك يا وطن في المجالس السودانية  أو حين تمر شذراتها في ذاكرة عازف أورغ مثل ماهر تاج السر في تأبين أبو الامين، يتذكر الجميع أن وراء هذه الكلمات قصة لم تكتمل، ولحناً مات قبل أن يولد، وفناناً رحل تاركاً في حنجرته آخر نغمة لم تخرج.

وكأنك راجي خيل الغيب

وحلمك خط راسو الشيب

ولسع لا كمل عشمك

ولا خاطر فتر يحلم …

اللهم ارحم الفنان محمد الأمين و الأستاذ/هاشم صديق …

Exit mobile version