في يوم الصحة العالمي.. صحة السودانيين من الصدمة إلى استنزاف نفسي طويل الأمد


منتدى الإعلام السوداني
الخرطوم، 8 أبريل 2026 (شبكة عاين)- في السابع من أبريل، وبينما يحتفي العالم باليوم العالمي للصحة تحت (شعارات الرفاه والتطور الطبي)، يصحو السودانيون على واقعٍ تغيب فيه أدنى مقومات البقاء. انتقلت المعركة بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان لتصبح حرباً صامتة داخل الأجساد المنهكة والأرواح التي نال منها الاستنزاف.
في حي الدروشاب بالخرطوم بحري، يعيش “أحمد” مع أسرته الممتدة في منزل واحد، حيث تحوّلت تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة صامتة مع الجوع والمرض وارتفاع كلفة العلاج. يصف أحمد في مقابلة مع (عاين)، وهو أب لطفلين، كيف تغيّر نمط التغذية داخل المنزل بشكل جذري منذ اندلاع الحرب، إذ لم تعد الوجبات كما كانت، لا من حيث العدد ولا الجودة. ويقول: “قبل الحرب كان البيت مستوراً، والعيال بياكلوا ثلاث وجبات، وفيها فاكهة ولبن. هسه بقينا على وجبتين، ونوع الأكل ذاتو اتغير… بقينا نعتمد على الحاجات البتملأ البطن بس.”
الحياة اليومية تحت وطأة الجوع:
رواية أحمد تعكس واقعاً كارثياً أكدته التقارير الدولية؛ فقد وصل انعدام الأمن الغذائي في السودان إلى مستويات “كارثية”، حيث يعاني 21.2 مليون شخص من الجوع الحاد. هذا التراجع ليس مجرد إحساس بالجوع، إنما محرك مباشر للوفيات؛ إذ يربط أحمد بين ضعف مناعة أطفاله وسوء التغذية، مشيراً إلى أنهم لم يعودوا قادرين على مقاومة الأمراض.
وتتجلى الأزمة بوضوح في مناطق النزوح؛ ففي يوليو 2025، أكدت لجنة مراجعة المجاعة (IPC) وجود ظروف مجاعة (المرحلة الخامسة) في معسكر زمزم بشمال دارفور، حيث تجاوزت معدلات سوء التغذية الحاد الشامل (GAM) في مناطق مثل “أم برو” و”كرنوي” حاجز 53%، وهي أرقام تفوق عتبات الطوارئ الدولية بمراحل.
هذا التراجع في جودة الغذاء انعكس مباشرة على صحة أطفال أحمد، وفق روايته، حيث أصبح المرض زائراً دائماً للمنزل. يربط أحمد بين ضعف المناعة وسوء التغذية، ويشير إلى أن أطفاله لم يعودوا قادرين على مقاومة الأمراض كما في السابق، في بيئة سكنية ازدادت هشاشتها مع انتشار الحشرات وتدهور الظروف الصحية.
في الوقت نفسه، تتعقّد رحلة العلاج داخل المدينة. فإلى جانب صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، تبرز كلفة العلاج بوصفها عبءً إضافياً يفرض على الأسرة خيارات قاسية بين الصحة والبقاء. يستعيد أحمد تجربة قريبة مع مرض أحد أطفاله، حين اضطر لدفع مبلغ كبير مقابل الاستشارة والدواء، وهو ما يعادل مصروف شهر كامل للأسرة. حسب ما ذكر ويضيف: “الألم الحقيقي إنك تختار بين تعالج طفلك وبين تجلب الطعام لباقي الأسرة”.
ولا تقتصر المعاناة على الأطفال، إذ يعاني والد أحمد من مرض مزمن يتطلب دواءً منتظماً غير متوفر محلياً، ما يضطر الأسرة للاعتماد على شحنات دوائية من الخارج عبر معارف في الاغتراب.
رواية أحمد تعكس صورة مصغّرة لأزمة أوسع، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع تدهور النظام الصحي، لتنتج واقعاً يصفه ببساطة: البقاء أصبح معادلة معقدة بين القدرة على العلاج والقدرة على الاستمرار، وهو ضغط يمتد أثره إلى الصحة النفسية.
يصف “د. خالد”— اسم مستعار— وهو اختصاصي نفسي، تداعيات الحرب في السودان لـ(عاين)، ويقول: إن “ما يعيشه المجتمع لم يعد مجرد أزمة صحية تقليدية، بل تحوّل إلى تفكك عميق في البنية النفسية الجماعية”. ويصف الحالة بأنها انتقال من “الصدمة” إلى ما يشبه الاستنزاف النفسي طويل الأمد، حيث يعيش الأفراد تحت ضغط مستمر يفوق قدرة الجهاز العصبي على التحمل.
فرص تماسك نفسي ضعيفة في المستقبل
ويوضح د. خالد، بأن التعرض اليومي للخطر لفترات ممتدة خلق حالة من “التأهب الدائم”، تجعل الناس في وضع دفاعي مستمر، ما يؤدي إلى إنهاك نفسي وعاطفي تدريجي. ويقول: “الناس لم تعد تتعامل مع الحياة برد فعل طبيعي، بل تتحرك على نحو آلي لتجاوز اليوم… في محاولة للبقاء فقط.”
هذا الوضع، بحسب تحليله، لا يتوقف عند الجيل الحالي، بل يمتد ليهدد الأجيال المقبلة عبر ما يُعرف بانتقال الصدمة، حيث تتحول مشاعر الخوف وانعدام الثقة إلى جزء من التكوين النفسي للأطفال، مما يضعف فرص التماسك الاجتماعي مستقبلاً.
ويشير د. خالد إلى أن الأطفال والنساء هم الأكثر عرضة لهذه التداعيات، خاصة في ظل انقطاع التعليم وغياب بيئات آمنة. فالأطفال، كما يوضح، يفقدون الإحساس بالاستقرار الذي توفره المدرسة، بينما تواجه النساء، لا سيما الناجيات من العنف، صدمات مركبة في ظل ضعف خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.
ولا يغفل د. خالد أثر النزوح وفقدان المنازل، معتبراً أن فقدان “المكان” في السياق السوداني يعني فقدان الأمان والهوية معاً، وهو ما يترك آثاراً عميقة على كرامة الفرد واستقراره النفسي، خاصة لدى كبار السن الذين يرتبطون بأسلوب حياة ثابت يصعب تعويضه.
ورغم قتامة المشهد، يشير إلى بروز مبادرات مجتمعية ورقمية تحاول سد فجوة الدعم النفسي، عبر توفير مساحات آمنة للتعبير والمساندة، لكنه يؤكد أن هذه الجهود تظل محدودة ما لم تُدمج الصحة النفسية ضمن النظام الصحي بشكل أوسع، عبر تدريب المجتمعات المحلية وتوسيع نطاق الخدمات.
كما يلفت إلى أن الكوادر الطبية نفسها تعيش تحت ضغط نفسي هائل، نتيجة العمل في بيئة منهارة مع موارد محدودة، ما يخلق حالة من “الإجهاد العاطفي” وتأثير في جودة الرعاية. وفي هذا السياق، يضيف: “الطبيب هنا يعالج وهو مثقل بذات الجرح… يحاول إنقاذ الآخرين، بينما يواجه معركة بقاء شخصية يومية.”
ويختتم د. خالد تحليله بالتأكيد على أن التحدي في السودان لا يقتصر على إعادة بناء البنية التحتية، بل يتطلب معالجة عميقة للآثار النفسية للحرب، تبدأ بالاعتراف بحجم الصدمة، والانطلاق نحو نموذج استجابة يضع الإنسان في مركز الاهتمام.
من أحد المعامل الطبية بمدينة أم درمان، تواصل د. سارة عملها في ظروف تصفها بـ “عمل تحت الضغط المستمر”، حيث تحاول الكوادر الطبية الحفاظ على الحد الأدنى من كفاءة التشخيص رغم التحديات المتراكمة. وتشير سارة في مقابلة مع (عاين)، إلى أن المعمل الذي تعمل فيه لا يزال يعمل بكامل طاقته، مع تركيز واضح على الفحوصات المرتبطة بالأوبئة المنتشرة، مثل الملاريا وحمى الضنك، إلى جانب فحوصات مزمنة كالغدة والسكري التراكمي.
ورغم هذا الاستمرار، توضح سارة أن استقرار الامدادات ليس مضموناً بالكامل، إذ تعتمد المعامل على شحنات تأتي من مدن، مثل عطبرة وبورتسودان، ما يجعل توفر بعض الفحوصات عرضة للتذبذب.
في جانب آخر، ترى سارة أن غياب التشخيص الدقيق لا يعني دائماً فقدان المريض، إذ يلجأ الأطباء في كثير من الحالات إلى التقدير السريري واتخاذ قرارات علاجية بناءً على الأعراض، لكنها تقر بأن هذا الحل يظل بديلاً اضطرارياً وليس مثالياً.
العمل تحت التهديد والأزمات المستمرة
“نحن نعمل داخل أزمات مستمرة”، بهذه العبارة يلخّص الطبيب “د. سامر” واقع القطاع الصحي في مناطق النزاع بالسودان.
يروي د. سامر في مقابلة مع (عاين) أن ما تبقّى من المرافق الصحية لا يعمل بوصفه نظاماً متكاملاً، بل كـ“نقاط صمود” تحت ضغط هائل. فالمستشفيات القليلة التي لا تزال مفتوحة تواجه، بحسب وصفه، ازدحاماً خانقاً ونقصاً حاداً في المياه النظيفة والكهرباء، وهي شروط تُعد الحد الأدنى لأي خدمة طبية. ويضيف أن هذا هو “أفضل سيناريو ممكن”، لأن مناطق واسعة أصبحت خارج التغطية الصحية بالكامل.
“في أحسن الأحوال، بنشتغل في مستشفى زحمتها لا تُحتمل، بدون موية نظيفة ولا كهرباء مستقرة… وفي مناطق تانية، ما في مستشفى أصلاً.”
لكن التحدي، كما يوضح، لا يقتصر على ضعف البنية التحتية، بل يتجاوز ذلك إلى بيئة عمل محفوفة بالمخاطر المباشرة. فاستهداف المرافق الصحية غيّر طبيعة المهنة نفسها، من عمل إنساني إلى نشاط عالي الخطورة.
وحسب شبكة أطباء السودان، تكررت حوادث الاعتداء على المستشفيات والكوادر الطبية في أكثر من موقع. وأشارت إلى أنه في ولاية شرق دارفور، اقتحمت قوة تتبع لـقوات الدعم السريع مستشفى الأسرة بمدينة الضعين، واعتدت على الكوادر الطبية بالضرب، مع تدمير كامل للأجهزة والمعدات، ما أدى إلى تعطيل الخدمات الصحية.
كما سجلت الولاية نفسها حادثة قصف جوي استهدف مستشفى الضعين التعليمي، أسفر عن مقتل 4 أشخاص بينهم أطفال وإصابة 3 آخرين.
وفي ولاية النيل الأبيض، قُتل 7 أشخاص بينهم اثنان من الكوادر الطبية، إثر استهداف مستشفى (الجبلين) بطائرة مسيّرة، أثناء وجود الأطباء داخل المرفق وأدائهم لعملهم.
هذه الوقائع، وفق توصيف الشبكة، يعكس نمطاً متكرراً من استهداف المرافق الصحية من أطراف الحرب، وهو ما يتقاطع مباشرة مع إفادة د سامر الذي أشار إلى أن “المستشفيات لم تعد أماكن آمنة، بل أهدافاً محتملة”.
ويقول د. سامر: “الخطر لا يأتي فقط من القصف أو الاشتباكات، بل يمتد إلى المساءلة الأمنية. فقد تعرّض شخصياً للاعتقال بتهمة “التعاون مع طرف من أطراف النزاع”، وهي تهمة أصبحت، بحسب قوله، تُستخدم ضد الكوادر الطبية لمجرد قيامها بعلاج الجرحى”.
تم إطلاق سراحه لاحقاً بعد تدخل مجتمعي، لكنه يصف التجربة بأنها لحظة فاصلة كشفت هشاشة الحماية التي يفترض أن يتمتع بها العاملون في القطاع الصحي.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (شبكة عاين). تأتي المادة بمناسبة اليوم العالمي للصحة، وتصف الحالة المريعة التي وصل إليها قطاع الصحة في ظل الحرب الدائرة بين الجيش قوات الدعم السريع في السودان.
تتناول المادة حوادث الاعتداء على المستشفيات والكوادر الطبية في أكثر من موقع، سواء استهدافها بالمسيرات أو التعرض للأطباء بالاعتقال والمساءلة القانونية، وهذا جزء من الأزمة الشاملة التي يعيشها القطاع الصحي، ويجعله في غاية الهشاشة. و”ما يعيشه المجتمع السوداني في الوقت الراهن لم يعد مجرد أزمة صحية تقليدية، بل تحوّل إلى تفكك عميق في البنية النفسية الجماعية”، طبقا لما يقوله أحد الأطباء.

Exit mobile version