مع حلول يوم الأربعاء، تطوي الحرب في السودان عامها الثالث، وتدخل عامها الرابع مثقلةً بأوزار الدم، والخراب، وانهيار ما تبقى من بنية الدولة والمجتمع. ثلاث سنوات لم تكن مجرد زمنٍ عابر، بل كانت اختباراً قاسياً لفكرة الدولة نفسها: هل يمكن للسودان أن يظل وطناً جامعاً، أم أنه يتشظى تحت وطأة السلاح، والغرائز، والمصالح الضيقة؟
المفارقة المؤلمة أن هذه الحرب، التي كان يفترض أن تنطفئ سريعاً تحت ضغط الكلفة الإنسانية والسياسية، تحولت إلى ما يشبه “الاستثمار المفتوح” في الفوضى. لا أحد انتصر، ولا أحد يملك حتى مؤشرات نصر. ومع ذلك، لا يزال هناك من يتحدث بثقة غريبة عن الحسم العسكري، وكأن ثلاث سنوات من الاستنزاف لم تكن كافية لإثبات عبث هذا الرهان.
في هذا السياق، يأتي مؤتمر دعم السودان في برلين، لا باعتباره حدثاً دبلوماسياً عادياً، بل كمرآة تعكس صراع الإرادات حول مستقبل البلاد: إرادة تريد وقف الحرب، ولو بالحد الأدنى من التوافق، وإرادة أخرى تسعى لإدامتها، أو على الأقل تعطيل أي مسار يمكن أن يقود إلى إنهائها.
ليس صدفة أن يتزامن دخول الحرب عامها الرابع مع تصاعد محاولات التشويش على هذا المؤتمر. فكل جهد دولي أو مدني يهدف إلى تعزيز أصوات السلام، يُنظر إليه من قبل معسكر الحرب كتهديد مباشر. هؤلاء لا يخشون فقط من نتائج المؤتمر، بل من رمزيته: أن يجتمع مدنيون، وسياسيون، وفاعلون دوليون حول طاولة واحدة، ليقولوا إن الحرب ليست قدراً.
ما جرى من محاولات منظمة لإفشال الاجتماع، سواء عبر الضغط السياسي أو التحشيد في الشارع الأوروبي، يكشف عن حقيقة أكثر عمقاً: هناك من باتت مصلحته مرتبطة باستمرار الحرب. هؤلاء لا يعيشون مأساتها اليومية، ولا يدفعون ثمنها من دمائهم أو بيوتهم، لكنهم يدركون أن السلام سيعني نهاية أدوارهم، وانكشاف حساباتهم.
الرهان على السلاح بعد ثلاث سنوات لم يعد مجرد خطأ تقديري، بل أصبح موقفاً أخلاقياً إشكالياً. فكل يوم إضافي في هذه الحرب يعني مزيداً من القتلى، ومزيداً من النازحين، ومزيداً من التآكل في فكرة الوطن. الحديث عن “النصر” في هذا السياق يبدو أقرب إلى إنكار الواقع منه إلى قراءة موضوعية له.
وفي المقابل، لا يمكن أيضاً إضفاء رومانسية زائدة على مؤتمرات الخارج. برلين ليست عصا سحرية، ولن توقف الحرب ببيان أو توصية. لكنها، رغم ذلك، تمثل مساحة نادرة لإعادة ترتيب النقاش حول السودان خارج منطق البنادق. إنها محاولة لإعادة الاعتبار للسياسة، بعد أن تم إقصاؤها لصالح العنف.
أهمية مؤتمر برلين لا تكمن فقط في ما سيصدر عنه، بل في من حضر ومن غاب. فالحضور المدني، بكل تبايناته، يشير إلى أن هناك كتلة سودانية – وإن كانت مشتتة – لا تزال تؤمن بإمكانية الحل السياسي. أما الغياب أو العرقلة، فهو في حد ذاته موقف سياسي، يعكس تمسكاً بخيار الحرب أو على الأقل رفضاً للتنازل.
هنا تتقاطع رمزية الزمن مع رمزية المكان. دخول الحرب عامها الرابع يعني أن كل المبررات الأولية قد سقطت. لم يعد ممكناً تبرير القتال بشعارات انتقالية أو مخاوف أمنية أو حتى صراعات نفوذ. ما تبقى هو واقع مكشوف: حرب بلا أفق. وفي برلين، يُطرح السؤال نفسه بشكل مختلف: هل يمكن بناء حد أدنى من التوافق لوقف هذا النزيف؟
الإجابة، حتى الآن، ليست حاسمة. لكن المؤكد أن أي جهد – مهما كان محدوداً – يهدف إلى تقوية صوت السلام، هو خطوة في الاتجاه الصحيح. وفي المقابل، فإن أي محاولة لإفشال هذه الجهود، هي إطالة مباشرة لمعاناة السودانيين.
الرهان الحقيقي اليوم ليس على من يكسب الحرب، بل على من يملك الشجاعة لإنهائها. وهذه الشجاعة لا تتطلب فقط قراراً سياسياً، بل تحولاً في الخطاب، وفي طريقة التفكير. فالحرب، في جوهرها، ليست مجرد صراع عسكري، بل هي أيضاً سردية يتم إنتاجها وتغذيتها يومياً.
من هنا، فإن معركة برلين – بمعناها الرمزي – هي أيضاً معركة سرديات: بين من يقول إن الحرب ضرورة، ومن يقول إنها كارثة يجب أن تتوقف. وبين من يرى في التفاوض ضعفاً، ومن يراه شجاعة.
ثلاث سنوات كانت كافية لتجريب كل الخيارات الخاطئة. وربما يكون العام الرابع فرصة أخيرة لتجريب الخيار الصحيح: وقف الحرب. ليس لأن الظروف مثالية، بل لأن البديل هو استمرار الانهيار.
في النهاية، لا يمكن لبلد أن يعيش إلى الأبد في حالة حرب. والسودان، بكل تاريخه وتعقيداته، يستحق أكثر من هذا المصير المفتوح على الخراب. وبين ذكرى الحرب ومؤتمر برلين، يقف السؤال معلقاً: هل يتقدم صوت العقل أخيراً، أم يظل الرصاص هو اللغة الوحيدة