
إبراهيم هباني
ليست كل الانقلابات تعلن عبر الدبابات. بعضها يبدأ بهدوء، بقرارات تبدو إدارية على الورق، لكنها تعيد رسم موازين القوة في الخفاء. ما جرى داخل قيادة الجيش ليس مجرد تغيير مواقع، بل إعادة تعريف لمن يملك القرار ومن يدفع إلى الهامش.
قرار عبد الفتاح البرهان بدفع ياسر العطا إلى رئاسة هيئة الأركان يعكس ترجيح كفة خط المواجهة داخل المؤسسة العسكرية، في لحظة تتزايد فيها الضغوط الميدانية والسياسية. لكن لفهم ما حدث، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء(…) إلى المنامة.
هناك، لم يكن الكباشي مجرد ممثل لسلطة الانقلاب في مسار تفاوضي، بل كان الصوت الذي حاول، ولو بحدود، فرض منطق الدولة داخل سلوك الحرب. انسحابه من المسار، سواء بقرار منه أو بتوجيه، جاء في لحظة حساسة كان يمكن أن تشكل نقطة كبح للنزيف.
الأهم من ذلك، أن الكباشي رفع صوته داخل المؤسسة نفسها، مطالبا بضبط الميدان العسكري وفقا لقوانين الجيش، في وقت كانت فيه الفوضى تتسع، والانضباط يتآكل. هذا الموقف، في سياق حرب مفتوحة، لم يكن تفصيلاً، بل تحدياً مباشراً لخط أكثر اندفاعاً داخل القيادة.
من هنا، يبدو غيابه اليوم أقل غموضاً.
إبعاده، إن صح توصيفه كذلك، لا يعكس فقط إعادة ترتيب إداري، بل ربما إقصاء لخط حاول أن يوازن بين منطق الحرب ومنطق الدولة.
وفي المقابل، صعود العطا يشير إلى أن الكفة مالت بوضوح نحو خيار الحسم العسكري، أو على الأقل نحو خطاب أكثر تشدداً.
وهنا يتقاطع الداخلي مع ما هو أعمق.
الحركة الإسلامية، التي لا تظهر في الواجهة، تبدو كأنها تستعيد قدرتها على التأثير من داخل المؤسسة، عبر شبكات ضباط وولاءات قديمة. ليس بالضرورة عبر قرار مباشر، بل عبر الاستفادة من لحظة إعادة التشكيل لتثبيت حضورها.
وفي ظل انشغال واشنطن بملفات أخرى، من بينها التصعيد مع إيران، يتسع هامش الحركة أمام الفاعلين المحليين لإعادة هندسة المشهد دون ضغط دولي كاف.
السؤال لم يعد فقط: لماذا أبعد الكباشي؟
بل: هل ما يجري إعادة ضبط للقيادة(…) أم تصفية لتوازناتها؟
في السودان، أحيانا لا تكون أخطر التحولات تلك التي تعلن (…) بل تلك التي تمر بصمت.