
السرالسيد
لبرهة ما، جال في خاطري أن يكون عنوان هذه المقالة (كُنْتُ في كمبالا)، لكنني سرعان ما استدركت أن كلمة (كُنْتُ) لا تفي بالتعبير عما أحس به فكان أن استبدلتها بكلمة (عِشْتُ)، فثمة مسافة نفسية أو هكذا شعرت بين (كنت)، وبين (عشت)، إذ بدت لي كلمة (كنت)، محايدة وجافة بعض الشئ، بينما بدت لي كلمة (عشت)، أدق تعبيراً عما أحس به، فهي حاملة لمعاني التعايش والعيش المشترك والحياة الفاعلة المتفاعلة، ولعل هذا ما فعلته أو كدت.
*كمبالا التي في خاطري*
بدعوة كريمة من مركز الخاتم عدلان للمشاركة في ورشة عمل، غادرت من مدينة عطبرة إلى كمبالا في 11 يناير 2024.. لم تكن هذه زيارتي الأولى فقد تعرفت على كمبالا منذ العام 2008 وتوالت زياراتي لها مع شبكة صيحة، ومنظمات أخرى. ولأن جميعها كانت زيارات عمل لم يتح لي أن أتعرف على هذه المدينة الساحرة، ثم توالت زياراتي لها خاصة بعد إلتحاق إبني محمد طالباً بجامعة (كافندش)، بتحفيز ودعم من الأصدقاء سبت اشولي، وعبدالباقي مختار “بقة”، وهالة الكارب، وعبدالمنعم الجاك.
*مطر وهمس وضحكات مجلجلة وماتوكي*
بتاريخ 3 أبريل 2024، نلت بطاقة اللجوء، فأصبحت على موعد مع المطر فالمطر في كمبالا يكاد أن يكون يومياً ولأنه كذلك مثّل سؤالاً قلقاً لاكثرية من السودانيين وفرض عليهم نوعاً من التصالح مع المطر والتعايش معها فبعد أن كنا نجري مع أول قطرة تفاجئنا في الطرقات تعلمنا أن نحمل المظلات ونلبس ملابس المطر وبعد أن كنا لا نخرج إذا توقعنا مطراً صرنا نتجول في صحبة المطر، وكما أن المطر بعض من علامات كمبالا الأساسية كذلك الهمس والضحكات المجلجلة بعض من هذه العلامات، فاليوغنديين في كمبالا نساءً ورجالاً واطفالاً عندما يتحدثون، في الونسة أو البيع والشراء أو حتيغ في المشاجرات بالكاد تستطيع أن تستبين ما يقولون فهم يتكلمون همساً و لا تجلجل أصواتهم/ن إلا عندما يضحكون، وكأن الضحكات المجلجلة في كمبالا بعضاً من زينة الشوارع وبلاغة التواصل الخلاق.. الضحكات في كمبالا ترقى لأن تكون واحدة من العلامات الثقافية لهذا الشعب الذي يعيش مدافعةً يوميةً من أجل صون الحياة وحيازتها… بين المطر والهمس والضحكات المجلجلة تذوق اكثرية من السودانيين الأكلات اليوغندية ك(الماتوكي)، وهي أكلة ترقى لأن تكون بمثابة الطبق الوطني الأشهر في أوغندا، وهي عبارة عن موز أخضر مشوي (غير حلو) يُطهى على البخار ويُهرس، وغالباً ما يُقدّم مع صلصة مع اللحم، السمك، أو الخضار.. لقد تذوقت طعام اليوغنديين، واكتشفت عبرهم قيمة احترام التنوع ولعل أكثر ما لفتني هنا احترام التعددية الدينية والمذهبية فالجميع يبشر بأفكاره علناً في الشوارع ووسائط الاعلام الحكومية والمستقلة كما وجدت مساجد للشيعة تجاور مساجد السنة، فتعاظمت دهشتي لبرهة ثم تذكرت أنني في حاضنة شعب افريقي، فهتفت، المجد لأفريقيا.
*سودانيون من كل فج عميق*
من الراجح أن اكثرية من السودانيين خاصة الأسر لم تكن يوغندا خيارهم الأول في اللجوء لكنها أصبحت خيارهم بعد ما وجدوه من تنمر واستبداد وعنصرية واستغناء من بعض الدول العربية فجاءوا علي حذر ليكتشفوا مع الأيام انهم حازوا علي الخيار السليم لتكون يوغندا وطنهم الجديد الذي يحترمهم ويحترمونه ليزداد توافدهم يوماً بعد يوم.. في يوغندا يعيش السودانيون في معسكر كرياندنقو للاجئين وفي مدن أخرى ككمبالا وسيتا وغيرهما… السودانيين الذي جاءوا كمبالا يمثلون جهات السودان الخمس، كما يمثلون اطيافاً من الأثنيات السودانية ومختلف المجالات فمنهم سياسيين ومثقفين ومهنيين وأصحاب أعمال خاصة، لذلك فهم يشكلون وجوداً فاعلاً في يوغندا يتبدي في حضورهم اليومي في المجالات كافة.
*معالم وأعلام*
هذه الوضعية للسودانيين بتنوعهم الثقافي والسياسي والمهني صنعت منهم مع مرور الايام قوة ووجوداً مغايراً له معالمه وأعلامه.. معالم يعبرون من خلالها عن همومهم الثقافية والسياسية، و عن أفراحهم واتراحهم ويتآنسون فيها وأعلام يسندونهم في السراء والضراء، فمن المعالم والتي لا تحصي يمكنني أن أذكر (عمارة صندل) و معها مطعم الفردوس في وسط البلد و مقاهي ومطاعم حي وندقيا في كمبالا حيث تمثل هذه المعالم الثلاث أبجدية الامكنة في كمبالا فهي أول ما يتعرف عليه الوافد الجديد، ففيها يلتقي السودانيون للمؤانسة والتنسيق لما يريدون انجازه من تسوّق وغيره، ومن المعالم أيضاً مؤسسة طيبة برس، والمنظمة الافريقية، وآفروكوش، وديفولمنت هوب، ومطعم جدايل، ومطعم أميرة، ومطعم الشرق، ففي هذه المعالم وغيرها عقدت الكثير من الندوات والحوارات والورش ونوقشت أعقد القضايا السياسية والثقافية، واقيمت الإفطارات الجماعية في رمضان ومجالس العزاء، والحفلات الترفيهية وتدشين الكتب.
أما في الأعلام الذين قدموا نموذجاً باهراً للسوداني وللسودان وعلى كثرتهم اجدني ومن باب الامتنان والعرفان مضطراً لذكر بعضهم، الأكاديمي والسياسي د.عبدالناصر الفكي والدكتور خضر الخواض الذَين كرسا وقتهما ضمن (لجنة وفيات كمبالا) في متابعة اجراءات موتي السودانيين من المشرحة حتى القبر، ود. عمرو عباس الذي ظل يقدم عصارة تجربته في العمل العام للأجيال الجديد دون كلل أو ملل، والاستاذ شمس الدين ضو البيت ذلك المثقف الملتزم، المراهن دوماً على المعرفة والاستقامة والنضال الرحيم، والدليلين في كل صغيرة وكبيرة للقادمين الجدد الاستاذ ضرار آدم والروائي فضيل احمد، والكاتب محمود الشين الذي فتح كوة للكتاب السوداني ومثّل تحريضا ناعماً للكتاب على النشر والتدشين، ثم وبالطبع نصر الدين صندل، صاحب وكالة صندل للسفر والسياحة، الرجل الذي له عرق في خدمة الناس… والقائمة تطول.
إن كان من خاتمة لهذه المقالة العجولة، فهي اعترافي وبرغم قلة الحيلة احيانا، انني قد عشت حياة حية وعامرة مع السودانيين، واليوغنديين، وشعوب أخرى فقد سكنت مدينة تمور بالتنوع الانساني والحريات الشخصية حتى عودتي إلى السودان بتاريخ 15 فبراير 2026، كما سعدت بالتعرف على شباب ناهض من مختلف الاثنيات والتيارات السياسية لم التقيهم من قبل.. شباب لا يحلم الا بوطن واحد، ترفرف في جهاته الخمس رايات العدالة، والحرية، والسلام، منهم على سبيل المثال لا الحصر، الرشيد مصطفي، وبدوي ناصر، ونضال احمد، وعباس الخير، وبابكر ريزا، ومحمد الامين خراشي والنذير الصويم، وسلمي عبدالعظيم، وقاسم الطاهر، والطيب جلجامش، ومجاهد الدومة، والفاضلابي، ومحمد عصام المشرف… والقائمة تطول.
فشكرا يوغندا حكومة وشعبا، وشكرا للسفارة السودانية هناك.