
حاتم أيوب ابوالحسن
في برلين لا يجتمع العالم لإنهاء حرب السودان، بل لإدارتها. هذه ليست قراءة متشائمة، بل توصيف دقيق للواقع. فالبيانات الدبلوماسية التي ستصدر، مهما بدت متماسكة، لن تغيّر حقيقة أن هذه الحرب خرجت من نطاق الحلول التقليدية، لأنها لم تعد صراعاً سياسياً قابلاً للتسوية، بل تحولت إلى نظام قائم بذاته: تعدد مراكز قوة، اقتصاد حرب متجذر، ومجتمع يُعاد تشكيله تحت ضغط الخوف والكراهية.
ما يجري في برلين هو محاولة لضبط الفوضى، لا إنهائها. الهدف ليس السلام، بل منع الانهيار الكامل. الفارق هنا جوهري: هناك من يسعى لإنهاء الحرب، وهناك من يسعى فقط لمنعها من التمدد خارج حدود يمكن التحكم بها.
الدول المشاركة لا تتعامل مع السودان كدولة يجب إنقاذها، بل كأزمة يجب احتواؤها. السودان في هذه المعادلة ليس فاعلاً، بل موضوعاً. كل طرف يأتي بحساباته: أمن البحر الأحمر، الهجرة، التجارة، توازنات النفوذ. أما مصير الدولة السودانية نفسها، فليس أولوية بقدر ما هو نتيجة جانبية.
برلين، بهذا المعنى، ليست منصة حل، بل غرفة إدارة أزمة مفتوحة. تُوزع فيها الأدوار، وتُرسم حدود الاشتباك غير المعلنة، ويُترك الداخل السوداني ليحترق داخل “هامش مسموح” من الفوضى.
الأخطر أن الحرب لم تعد مجرد أزمة، بل أصبحت جزءاً من توازنات قائمة. هناك أطراف لا ترى في استمرارها مشكلة، بل فرصة: لإعادة تشكيل النفوذ، لإستنزاف الخصوم، أو لفرض وقائع جديدة على الأرض. في هذا السياق، يصبح السلام نفسه تهديداً، لأنه يعيد خلط الأوراق ويُسقط الحسابات التي بُنيت على استمرار الصراع.
في الداخل، لم يعد السؤال من يسيطر على الأرض، بل من يسيطر على الوعي. خطاب الكراهية لم يعد نتيجة للحرب، بل أحد محركاتها الأساسية. ومع كل يوم، تتراجع فكرة الدولة لصالح هويات متصارعة، ويقترب السودان أكثر من لحظة اللاعودة. ما يحدث ليس فقط حرباً… بل تفكيك منهجي لبنية الدولة والمجتمع معاً.
يُلوَّح بخيار التدخل الدولي تحت الفصل السابع من مجلس الأمن الدولي كأنه حل جذري، لكنه في الواقع ليس سوى أداة ضغط سياسي. لا توجد إرادة دولية حقيقية للذهاب نحو تدخل عسكري مباشر، ليس فقط بسبب التعقيدات الميدانية، بل لأن القوى الكبرى نفسها منقسمة حول ما تريده من السودان. بعض هذه القوى لا يمانع استمرار حالة “اللا حسم”، بل يستفيد منها، وهو ما يجعل التهديد بالتدخل أقرب إلى أداة ابتزاز منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.
ثم إن طبيعة الحرب نفسها تُفشل أي سيناريو تدخل تقليدي: لا جبهات واضحة، لا سلطة يمكن التعامل معها، ولا بيئة قابلة للاستقرار السريع. أي تدخل عسكري لن ينهي الحرب، بل سيعيد إنتاجها في شكل أكثر تعقيداً.
لهذا، ما سيحدث فعلياً هو تصعيد تدريجي في الضغوط: عقوبات، عزل، خنق اقتصادي، وربما إعادة هندسة المشهد عبر وكلاء محليين. إنها سياسة إدارة الصراع، لا حله.
ما سيصدر عن برلين لن يغيّر شيئاً جوهرياً. سيُضاف إلى سجل طويل من المؤتمرات التي أدارت الأزمة دون أن تقترب من حلها. الكلمات ستكون كبيرة: وقف إطلاق نار، حماية مدنيين، عملية سياسية… لكن بدون أدوات تنفيذ، ستظل مجرد نصوص بلا أثر.
الحقيقة التي يتم تجنبها هي أن السودان خارج دائرة الحسم الدولي. ما يهم القوى المؤثرة ليس إنهاء الحرب، بل منع تحولها إلى تهديد مباشر لمصالحها.
أما الداخل، فمحكوم بمعادلة مغلقة: لا أحد قادر على الحسم، ولا أحد مستعد للتراجع. وفي مثل هذه الحروب، لا تنتصر الأطراف… بل تنهار الدول.
برلين ليست بداية الحل، بل تعبير صريح عن غيابه. وإذا لم تتغير معادلات الداخل جذرياً، فإن المسار لن يقود إلى تسوية، بل إلى واقع أكثر قسوة: بلد يُدار من الخارج، ويتفكك من الداخل، حتى يصل إلى نقطة قد لا يعود بعدها هناك ما يمكن تسميته دولة.