
عثمان يوسف خليل
في الحلقة السابقة، اقتربنا من وجوه الأزمة؛ طفلٌ خارج المدرسة، فتاة توقفت أحلامها، ومعلم يقاوم بصمت. كانت الحكاية واضحة: التعليم لم يعد حاضرًا في حياة كثيرين كما كان.
لكن الحكاية، مهما كانت مؤثرة، لا تكفي وحدها. لا بد أن نذهب خطوة أبعد، لنفهم: ما الذي يجعل التعليم ينهار بهذه السهولة؟ وأين الخلل الحقيقي؟ في الظروف… أم في الفكرة نفسها؟
هنا نصل إلى نقطة أساسية: التعليم ليس مجرد خدمة، بل هو جزء من “نظرية معرفة” كاملة. أي كيف يفهم المجتمع العالم، وكيف ينقل هذا الفهم من جيل إلى جيل. وحين تختل هذه الرؤية، يصبح التعليم هشًا، قابلًا للانهيار مع أول أزمة.
التعليم الحقيقي، في جوهره، ليس نارًا تحرق من يقترب منها، بل ظلٌّ يستظل به الجميع. هو مساحة للأمان، للفهم، ولإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والحياة. وإذا فقد هذا المعنى، تحوّل إلى عبء، أو إجراء شكلي بلا روح. ومن هنا، لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون مراجعة السياسات التي تحكمه.
أول هذه السياسات: مجانية التعليم.
المجانية، في أصلها، ليست شعارًا، بل التزام أخلاقي بأن لا يُحرم أي طفل من حقه في التعلم بسبب الفقر. لكن المشكلة ليست في المبدأ، بل في التطبيق. حين تُعلن المجانية دون توفير الحد الأدنى من الجودة، تتحول إلى وعد ناقص، يفقد معناه مع الوقت.
المطلوب ليس إلغاء المجانية، بل حمايتها عبر تمويل حقيقي، ورقابة، وضمان أن ما يُقدَّم داخل المدرسة يستحق أن يكون مجانيًا.
ثم نأتي إلى مسألة إعادة البناء.
التعليم في السودان اليوم لا يحتاج إلى إصلاح جزئي، بل إلى إعادة تأسيس حقيقية تبدأ من الصفر، أو تكاد. من مرحلة الطفولة المبكرة، وحتى التعليم العالي، يجب أن تكون هناك رؤية واضحة: ماذا نريد أن نصنع من هذا الطالب بعد كل هذه السنوات؟
وفي قلب هذه العملية، يقف المعلم.
لهذا، يصبح من الضروري إحياء معاهد التربية، لكن ليس بصيغتها القديمة، بل بأسس جديدة، تقوم على نظرية تعليمية حديثة، تربط بين المعرفة والتطبيق، وبين العلم والواقع.
اما هذه المعاهد يجب أن تنتشر في كل أقاليم السودان ومدنه الكبرى، لا أن تظل محصورة في مراكز محدودة. وأن تكون جاذبة للمتفوقين من حملة الشهادة السودانية، ممن يرغبون في دخول مهنة التعليم، عبر برامج تأهيل واضحة ومكثفة — لنقل عامين — تُخرج معلمًا حقيقيًا، لا مجرد حامل شهادة.
أما التدرج التعليمي، فيمكن الإبقاء عليه كما هو: 12 عامًا قبل الجامعة، لكن مع مراجعة عميقة للمحتوى، ولطريقة التقديم، وللغاية من كل مرحلة.
ولا يمكن تجاوز مسألة المعلمين الحاليين. فهناك تفاوت كبير في التأهيل والخبرة، بل وفي طرق التوظيف نفسها. من هنا، لا بد من مراجعة شاملة، لا بهدف الإقصاء، بل المعالجة:
تدريب من يحتاج إلى تدريب، إعادة تأهيل من يمكن تطويره، ووضع معايير واضحة تمنع تكرار الأخطاء التي حدثت في السابق. هذا لأن إصلاح التعليم لا يعني فقط بناء جديد، بل أيضًا ترميم ما هو قائم.
في النهاية، ما بين الحكاية التي بدأنا بها، والسياسات التي نحاول رسمها، تتضح الصورة:
الأزمة ليست في نقص الحلول، بل في غياب الإرادة التي تجمع بين الفهم والتطبيق.
وفي الحلقة القادمة، يمكن أن نذهب أبعد، لنطرح سؤالًا أكثر جرأة:
هل يمكن أن ينهض التعليم في السودان دون استقرار سياسي؟ أم أن أحدهما شرط للآخر؟
لأننا، ببساطة، لا نكتب عن مدارس فقط… بل عن مصير وطن..ونعيد القولة الشهيرة
( العلم يرفع بيتاً لا عماد له
والجهل يهزم بيت العز والشرف)