في الردّ العادل على مقال، محمد الامين عبدالنبي (السودان ومنزلق الفصل السابع)

بقلم : منعم عمر

نعم المقال يلتقط جانباً مهماً من الحقيقة، لكنه يخطئ حين يجعل الخطر كلّه في “*الفصل السابع*” أو في “*التدويل*”، بينما *الخطر الحقيقي *بدأ قبل ذلك بكثير: *في الحرب نفسها*، وفي عجز الأطراف المسلّحة عن حماية المدنيين، وفي تحويل السيادة إلى ذريعة لتعطيل المساءلة ووقف النزيف.

فالسودان ليس على أعتاب التدويل فحسب؛ السودان واقع فيه بالفعل، وبصيغٍ متعددة: *عقوبات، وآليات أممية، وقرارات لمجلس الأمن، ومهمة تقصّي حقائق، وضغط إنساني، وملاحقات جنائية، ومفاوضات تقودها عواصم إقليمية ودولية*. ولذلك فالسؤال الأدق ليس: هل سيأتي التدويل؟ بل: *أيّ تدويل نحن فيه الآن، ولصالح من، وبأي كلفة على السودانيين؟* 

إنّ مجلس الأمن كان قد ناقش مشروع قرار في نوفمبر 2024 لا يتحدث عن احتلال ولا عن وصاية، بل *عن وقف الهجمات على المدنيين، وتنفيذ التزامات جدة، وحماية المستشفيات والعاملين في الإغاثة، والتصدّي للعنف الجنسي، والسعي إلى وقف إطلاق نار على مستوى البلاد*. الذي أسقط المشروع هو الفيتو الروسي بذريعة السيادة ورفض آليات المساءلة الخارجية، لا لأن المشروع كان تفويضاً بغزو السودان.

لذلك، فإن تصوير كل تحرّك دولي على أنه مؤامرة وشيكة لفرض وصاية عسكرية هو تبسيط مضلل. نعم، هناك ضغوط دولية متزايدة، وهناك اتجاه لاستخدام أدوات أشدّ، لكن التركيز الحالي هو على حماية المدنيين، وضمان الإغاثة، ومراقبة الالتزامات، ووقف تدفق السلاح، ودفع الأطراف نحو هدنة ثم وقف نار ثم عملية سياسية مدنية. حتى الرباعية التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات شددت على أنه لا يوجد حل عسكري قابل للحياة، وأنّ مستقبل الحكم في السودان يجب أن يقرره السودانيون عبر انتقال شامل وشفّاف يقود إلى حكومة مدنية، مع وقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة.

الكاتب محقّ حين يربط بين الجمود العسكري واتساع قابلية التدخل الخارجي. لكنّه يحتاج إلى خطوة إضافية في التشخيص: الذي يدفع نحو الخارج ليس “الاهتمام الدولي” في ذاته، بل فشل الداخل المسلّح، واستمرار الفظائع، وانسداد الأفق الوطني المدني. 

مشروع قرار مجلس الأمن الذي أُسقط، وبيانات الرباعية والخماسية، وتقارير المجلس، كلها تقول الشيء نفسه تقريباً: *الحرب طالت، والكارثة الإنسانية تفاقمت، وكلا الطرفين متورط في انتهاكات جسيمة، ولا بد من آلية لوقف النار وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين*. هذا ليس خطاب “إدارة استعمارية” بقدر ما هو خطاب دولي ناشئ من فراغ الحماية داخل السودان نفسه.

والأهم من ذلك أن مجلس حقوق الإنسان، في مساره الموازي، لم يطرح المسألة باعتبارها صراعاً بين سيادة وتدخُّل، بل باعتبارها مسؤولية دولة وأطراف نزاع عن *حماية السكان من الإبادة وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية*. كما أنّ مشروع القرار أشار إلى نتائج بعثة تقصّي الحقائق التي خلصت إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة والدعم السريع ارتكبتا جرائم حرب، وأن الدعم السريع ارتكب أيضاً جرائم ضد الإنسانية، مع توثيق واسع للقتل والاغتصاب والاستهداف الإثني وتدمير مقومات بقاء المدنيين. *هذا يعني*: أن “التدويل” القائم الآن هو قبل كل شيء تدويل للمساءلة والحماية الإنسانية، وليس تفويضاً مفتوحاً لاحتلال البلاد.

وهنا تظهر نقطة أعمق غابت نسبياً عن المقال: *السيادة ليست مجرد حق في صدّ الخارج، بل واجب في حماية الداخل. وعندما تُستخدم السيادة لحجب المساعدات، أو لرفض المراقبة، أو لتعطيل التحقيق، أو لترك المدنيين بين الحصار والقصف والمجاعة والاغتصاب، فإنها تتحول من مبدأ قانوني إلى أداة سياسية لحماية الإفلات من العقاب*. لذلك فالموقف الوطني الجادّ لا يكون برفع شعار “لا للتدويل” مجرّداً، بل بطرح *بديل سوداني مقنع:* وقف الحرب فوراً، فتح المسارات الإنسانية، قبول آليات رقابة فعّالة، وقف تسليح الأطراف، وإطلاق عملية سياسية مدنية مستقلة عن العسكريين والميليشيات.

ولو تلبثنا قليلاً في البحث التاريخي عن دارفور 2004 فسنجد أنّه يفضح *وهماً قديماً يتكرر اليوم:* العالم لا يتدخّل عادةً لأن ضميره استيقظ فجأة، بل عندما تتراكم الفظائع وتتأخر الاستجابة حتى يصبح التدخل المتأخر بديلاً ناقصاً عن الفعل المُبكّر. و أنّ بطء الاستجابة الدولية كان ناتجاً عن تضارب الأولويات وضعف الآليات السياسية والمؤسسية، وأن الأدوات العسكرية الخارجية لها حدود كبيرة ما لم تُحلّ الجذور السياسية للأزمة. هذا الدرس لا يدعم التهويل من “الفصل السابع”، بل يدعم العكس: أن الخطر الأكبر هو أن نكرر دارفور مرة أخرى، -ناهيك عن رواندا- أي أن نستمر في إنكار الكارثة حتى تصبح كل الخيارات سيئة.

أجدني بلا تردد في القول: أنّ الردّ الأعدل على المقال هو : (*نعم، هناك منزلق خطير، لكنّه ليس منزلق الفصل السابع، بل منزلق الحرب المفتوحة، وتفككّ الدولة، وتطبيع الفظائع، واحتكار السلاح للسياسة، وترك مصير السودان رهناً لفيتو هنا ورعاية إقليمية هناك*).. وليس صحيحاً أن البديل الوطني هو الاكتفاء برفض التدخلات الخارجية؛ البديل الوطني هو انتزاع الملف من العسكريين جميعاً وإعادته إلى المدنيين، لأن استمرار الحرب هو الذي يشرعن الخارج، أما بناء مركز سياسي مدني موحّد فهو وحده الذي يحدّ من قدرة الخارج على تقرير المصير السوداني.

*بمعنى آخر:* المشكلة ليست أن العالم “يتدخل” في السودان؛ المشكلة *أنّ السودانيين تُركوا تحت رحمة حرب جعلت التدخُّل الخارجي ممكناً، والجمود الدولي محتملاً، والمجاعة أداة، والفيتو غطاء، والسيادة شعاراً بلا حماية*. لذلك ينبغي قلب المعادلة: ليس المطلوب الخوف من التدويل أكثر من الخوف من استمرار الحرب، لأنّ *الحرب نفسها هي أعلى مراحل التدويل وأكثرها تدميراً*.

Exit mobile version