جامعة الخرطوم بين مرثية عميد كلية الطب وسلطة القرار: هل آن الأوان للاستقلال؟

د. عبدالله محمد ادم
كمبالا
في تسجيل صوتي مؤثر، دوّن البروفسور عبدالسميع، عميد كلية الطب بجامعة الخرطوم المعين حديثًا، مرثية حزينة لم يوجهها إلى رحيل إنسان، بل إلى موت مؤسسة،اذ لم تخفِ كلماته وجعًا حقيقيًا حين وصف مباني الكلية التي تحولت إلى أطلال جراء حرب مدمرة، ولم يبق منها سوى قاعة دراسية واحدة، تبرع أحد الخريجين بترميمها، كأنما الخريج أراد أن يضيء شمعة في قلب ظلام شامل، وأضاف إلى الصورة قتامتها حين تحدث عن نزوح الأساتذة إلى دول الجوار (يوغندا، إثيوبيا، جنوب السودان)، وعن راتبه الشهري الذي لا يتجاوز المائة دولار، وهو عميد أعرق كلية طب في البلاد.
لكن المفارقة الأكثر إيلامًا، أن إدارة الجامعة، في الوقت الذي كانت فيه كل الكليات تئن تحت وطأة الخراب، أصدرت قرارًا بإغلاق كل المراكز الدراسية التي فتحت في الخارج لاستيعاب الطلاب النازحين،وقد جاء قرار العودة إلى الخرطوم، ليس بناءً على دراسة حقيقية لتهيئة البيئة الجامعية و استعدادها لاستقبال الطلاب، بل بدا وكأنه قرار سياسي بامتياز، لم يُسبق بتطهير السكن وقاعات الدراسة، ولا بإعداد نفسي لطلاب قد يصابوا بنوبات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) لمجرد رؤية جدران تروي حكايات دماء ومعارك طاحنة كانوا هم شهودا لبعضها.
جامعة الخرطوم لم تكن يومًا مجرد صرح أكاديمي؛ لقد كانت جامعة الريادة الوطنية، تلك المؤسسة التي انبثق منها مؤتمر الخريجين الذي وضع القواعد المتينة لاستقلال البلاد و استمرت في أداء دورها بتجرد و حافظت على استقلاليتها في إعداد الكوادر الوطنية، حتى في أحلك الظروف، ونتذكر جميعًا كيف تماسك الطلاب تحت قيادة كيان المحايدين في وجه التيار الإسلامي الذي عمل لخدمة انقلاب البشير، و منعوه من تمثيل أول اتحاد طلابي بعد الانقلاب و قد كان ذلك نموذجًا للوعي الوطني الذي يرفض توظيف الجامعة لأغراض السلطة او الحزبية الضيقة ، تحت شعار لكل حزبه و الجامعة للجميع.
لكن ماذا ترى اليوم؟ وجامعة الخرطوم أصبحت إدارتها جزءًا من حكم عسكري أخرج البلاد من مسار الحلول السياسية إلى نفق الحروب المستعرة وكأنما تحولت الجامعة من منصة للتنوير إلى تابعٍ سياسي يرفع رايات من لا يستحقون.
إن قرار الإغلاق التعسفي للمراكز الدراسية في الخارج في وقت النزوح، و قرار العودة إلى الخرطوم دون تهيئة لاجوء العمل و الدراسة في الجامعة، ليس مجرد خطأ إداري، بل دليل على انفصام بين القرار الجامعي وحاجة الطالب والأستاذ و الوطن، فكيف يمكن لعميد كلية الطب أن يحصل على مائة دولار شهريًا، بينما عليه ان يتحمل مسؤولية إعادة الطلاب لكلية دمرتها الحرب؟ وكيف يمكن الحديث عن العودة إلى مقر الجامعة وقد تحولت مبانيها إلى ساحات قتال؟
إذا كان النظام العسكري الحالي قد أدخل البلاد في حروب، فإن على الجامعة أن تكون صوت العقل لا بوق السلطة و على إدارة جامعة الخرطوم أن تدرك أن دورها التاريخي لم ينتهِ، بل ازدادت الحاجة إليه. و المطلوب منها اليوم أن تسلك طريقًا مستقلاً، لا خلف البرهان ولا تحت عباءة الحركة الإسلامية، المطلوب أن تقود حوارًا وطنيًا أكاديميًا لإعادة بناء التعليم العالي، وأن تعلن رفضها لأي قرارات تمس سلامة الطلاب واستمرار تعليمهم.
أيها القائمون على جامعة الخرطوم،ان التاريخ يكتب الآن صفحاته والذاكرة الوطنية لا تنسى، فإما أن تعودوا إلى جوهر الجامعة في الاستقلالية، الريادة، والمساهمة في حل مشاكل الوطن المعقدة، وإما أن يرصد لكم التاريخ موقف الخزي والعار حين يهزم الشعب قهره، ويكمل ثورته، ويفك أسر الجامعة من قيدكم، فالطلاب اليوم بحاجة إلى جامعة تحميهم، لا إلى إدارة ترتهن لطموحات الدكتاتوريات. فإلى أي جانب أنتم؟

Exit mobile version