
أفق جديد
تدخل الحرب عامها الرابع في السودان التي اندلعت منتصف أبريل 2023 لا تزال معاناة المواطنين حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية، حيث تختلط مشاهد الدمار بصوت الحنين إلى ما كان عليه الحال قبل اندلاع القتال العنيف، وتتفاقم الأزمة الإنسانية بوتيرة متصاعدة، في ظل انهيار الخدمات الأساسية.
وحذرت منظمات الإغاثة من تفاقم الوضع، مع اتساع رقعة النزوح الداخلي وانهيار سلاسل الإمداد الغذائي، ما يدفع ملايين السكان نحو حافة المجاعة. كما تتزايد المخاوف من تفشي الأمراض نتيجة تدهور النظام الصحي.
وقال توم فليتشر، منسق الإغاثة الطارئة في الأمم المتحدة، في بيان: “تمثل هذه الذكرى القاتمة عاماً آخر من فشل العالم في مواجهة اختبار السودان”. وأضاف: “أصبح السودان ساحة للفظائع، تشمل الحصار، والحرمان من الغذاء، واستخدام العنف الجنسي كسلاح”.
معاناة إنسانية
يقول خالد مصطفى وهو أحد سكان مدينة أم درمان في حديثه لـ”أفق جديد”، “لم نعد نعرف معنى الأمان، كل يوم نبحث عن الماء والغذاء، ونخشى أن نفقد من تبقى من أهلنا، الحرب لم تترك لنا شيئًا”.
وفي الخرطوم، تروي عائشة عبد الله فقدت منزلها في حديثها لـ”أفق جديد”، “عدنا إلى منزلنا بعد أن تركنا فيه ذكرياتنا وأثاثنا وكل ما نملك، الآن نعيش على المساعدات لكن حتى هذه لا تكفي”.
أما في مدينة بحري، حيث تتفاقم الأزمة بانقطاع الكهرباء وتفشي الأوبئة، يقول المواطن أمير حاتم في حديثه لـ”أفق جديد”، “الجوع كافر، أحيانًا لا نجد ما نأكله لأيام، الأطفال يمرضون ويموتون بسبب سوء التغذية”.
دائرة الحرمان
بين فقد الأحبة، وانهيار الخدمات، وتفشي الجوع، يعيش ملايين السودانيين واقعًا قاسيًا، في ظل آمال خافتة بوقف الحرب واستعادة الحياة.
حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن استمرار الحرب قد يعيد اقتصاد السودان إلى مستويات ستينيات القرن الماضي، مع احتمال ارتفاع معدلات الفقر المدقع إلى أكثر من 60%، وانزلاق نحو 34 مليون شخص إضافي إلى دائرة الحرمان، في حال استمر النزاع حتى عام 2030.
وأوضح البرنامج أن السودان خسر ما يُقدّر بـ6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي خلال عام 2023 وحده، فيما انزلق نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع خلال عام واحد، بالتزامن مع تراجع متوسط الدخل إلى أدنى مستوياته منذ عام 1992. كما أشار إلى أن عدد النازحين تجاوز 13 مليون شخص.
وأضاف أن التعافي سيظل بطيئًا حتى في سيناريو أكثر تفاؤلًا ينتهي فيه النزاع بحلول عام 2026، إذ من المتوقع ألا يتجاوز متوسط النمو الاقتصادي 1.2% حتى عام 2043.
سجل المفقودين
بمناسبة حلول الذكرى الرابعة للحرب أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في تقرير أن عدد الأشخاص المفقودين في السودان المسجلين حتى الآن بلغ 11 ألفاً، بزيادة قدرها 40 في المائة خلال عام 2025 وحده، ووصفت هذا الرقم بأنه يعكس فداحة التكلفة الإنسانية التي تخلفها النزاعات الممتدة.
أرجعت اللجنة انقطاع اتصال العائلات بأفرادها إلى الدمار الواسع الذي أصاب شبكات الاتصالات في البلاد، مشيرة إلى أن جهل الأسر بمصير ذويها يترك آثاراً نفسية عميقة وطويلة الأمد.
ونقلت روايات عن عدد من أسر المفقودين، مؤكدة أن كثيرين ما زالوا يبحثون عن أسماء ذويهم في قوائم الإفراج عن المعتقلين، أو يترقبون ظهورهم المفاجئ عبر وسائل الإعلام.
كما أوضحت أن مئات العائلات تمكنت من استعادة الاتصال بذويها خلال عام 2025، رغم التحديات الكبيرة، وأنها يسّرت إجراء أكثر من 560 ألف مكالمة هاتفية، بالتعاون مع جمعيات الهلال الأحمر في السودان ومصر وجنوب السودان وتشاد.
ونقل موقع اللجنة عن رئيس بعثتها في السودان، دانيال أومالي، قوله إن معاناة المدنيين جرّاء الحرب بلغت مستويات غير مسبوقة، في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض والخرطوم والولاية الشمالية، نتيجة تأثر البنية التحتية الأساسية كالأسواق والمستشفيات ومحطات معالجة المياه ومحطات إنتاج الطاقة.
وحمّل أومالي المسؤولية عن وقف النزاع أو تسويته للأطراف المنخرطة فيه مباشرة، وعلى الأطراف التي تملك نفوذاً مباشراً عليها، وقال: “التقاعس اليوم سيكلفنا ثمنًا باهظًا، لا يستطيع أحد تحمّله غدا”.
وتنظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى إعادة الروابط العائلية بوصفها من أشد حالات الطوارئ الإنسانية وطأة، وتؤكد أنها من بين الأكثر وطأة، رغم كونها الأقل ظهوراً على مستوى العالم، وذلك في ظل نزاع يشهد إخفاقًا واسع النطاق في الامتثال للقانون الدولي الإنساني وقواعد الحرب.
وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ”أسوأ كارثة نزوح في العالم”، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.