إرتفاع صادم في الأسعار  .. والخيارات معدومة ..(المواطن يخوض معركة الغلاء  بلا سلاح)

أفق جديد 

الحرب تمدُّ ظلالها الثقيلة على الخرطوم، والغلاء يشعل ما تبقّى من قدرة الناس على الاحتمال. في ولايةٍ أنهكتها السنوات العجاف، يقف المواطن السوداني كل صباح أمام معركة جديدة: معركة الأسعار. ثلاثة أعوام من الحرب مضت، والرابع يطلّ بوجه أكثر قسوة، بينما السلع الأساسية التي كانت يومًا جزءًا عاديًا من حياة الأسر، صارت أمنيات بعيدة المنال، تتوارى خلف أرقام تقفز بلا رحمة.

في الأسواق، تبدو الوجوه شاحبة، والأيدي مترددة، والعيون تدور بين الرفوف كما لو أنها تبحث عن زمنٍ مضى. المواطن بات محاصرًا بأسئلة موجعة: هل يشتري الطعام أم الدواء؟ هل يدفع الإيجار أم يؤمّن قوت أطفاله؟ اختيارات لم تكن يومًا مطروحة بهذا الشكل القاسي، لكنها اليوم صارت قدرًا يوميًا لآلاف الأسر.

الحرب، وهي تدخل عامها الرابع، لم تترك خلفها سوى مدنٍ متعبة واقتصادٍ مثخن بالجراح ومجتمعٍ يئن تحت الركام. الأسعار تصعد كل يوم درجة جديدة، بلا سقف ولا هوادة، فيما يتراجع الناس خطوة بعد خطوة نحو اليأس والضياع.

في سوق أم درمان، حيث كانت الحركة تضج بالحياة، يروي تاجر الجملة أحمد العطا ل ” أفق جديد ” تفاصيل المشهد بلغة الأرقام التي لا تكذب. جوال السكر زنة خمسين كيلوغرامًا ارتفع من 145 ألف جنيه إلى 157 ألفًا. جوال الدقيق خمسة وعشرون كيلوغرامًا قفز من 48 ألفًا إلى 60 ألف جنيه. زيت الطعام صعد من 110 آلاف إلى 125 ألفًا، وجوال العدس زنة عشرين كيلوغرامًا ارتفع من 70 ألفًا إلى 77 ألف جنيه. حتى صلصة “مجان” لم تنجُ من موجة الغلاء، فقفز سعرها من 55 ألفًا إلى 65 ألف جنيه.

أما لبن “فولتير” السعودي، فقد بلغ ارتفاعه حدًا صادمًا، إذ انتقل من 540 ألف جنيه إلى 630 ألفًا، في مشهد يكشف كيف أصبح كل شيء أبعد من متناول اليد.

ولا تقف الزيادات عند هذا الحد. الشاي والبن، وهما رفيقا المجالس السودانية وروح البيوت، دخلا بدورهما دائرة اللهيب. رطل البن ارتفع من 8100 جنيه إلى 9600، بينما صعد سعر الشاي من 130 ألفًا إلى 140 ألف جنيه، بعد فترة قصيرة من انخفاضٍ لم يدم طويلًا.

التاجر جعفر الفتح يصف الحال ل” أفق جديد ” بكلمات مثقلة بالمرارة. يقول إن هذا الارتفاع الكبير أضعف القوة الشرائية إلى حدٍّ غير مسبوق، وأغرق الأسواق في ركود خانق. الأسعار الحالية تجاوزت كل ما عرفه الناس سابقًا، بينما المواطنون فقدوا مصادر دخلهم ومدخراتهم تحت وطأة الحرب. ويضيف أن الرسوم المفروضة من السلطات زادت الحمل على الجميع، على المواطن كما على التاجر، حتى باتت الأسواق نفسها تختنق.

هذا الغلاء لم يبقَ حبيس الأرقام والجداول، بل نزل مباشرة على موائد الناس، فصار ملايين المواطنين عاجزين عن شراء أبسط الضروريات. المواد الغذائية ارتفعت، الوقود اشتعل سعره، ومعه اشتعلت تكلفة الحياة بأكملها.

في حي الثورة بأم درمان، يتحدث المواطن خالد عباس بمرارة واضحة. يقول ل ” أفق جديد” إن أسعار الخبز والسكر والزيت ارتفعت خلال أيام قليلة بنسب كبيرة، حتى صار توفير احتياجات الأسرة أمرًا شاقًا. ثم يختصر المشهد كله بجملة موجعة: “الوضع صعب جدًا، الأسعار ارتفعت بشكل جنوني ولا نستطيع شراء أي شيء، حتى الخبز أصبح فوق طاقتنا”.

الخرطوم اليوم تعيش أزمة اقتصادية خانقة؛ العملة المحلية تتهاوى، والأسعار تواصل صعودها، والناس يطالبون بتدخل عاجل يعيد شيئًا من الاستقرار إلى الأسواق ويوقف هذا النزيف اليومي.

الصحفية والمختصة بالشأن الاقتصادي نازك شمام ترى أن ما يحدث ليس وليد سبب واحد، بل نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية تضغط بقسوة على البلاد.

في الداخل، أنهكت الحرب الاقتصاد المحلي، واستنزفت موارده، فالإيرادات شحيحة، والمنصرفات تتضخم، وعلى رأسها نفقات المجهود الحربي. الإنتاج الزراعي والصناعي تعطل أو عاد بقدرة لا تكفي الاستهلاك، فأصبح السودان يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، وهو ما زاد الضغط على العملات الأجنبية، ودفع الجنيه السوداني إلى مزيد من الانهيار أمام الدولار.

أما في الخارج، فتشير شمام في حديثها ل ” أفق جديد”  إلى تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية وما تبعها من اضطراب في المعابر البحرية، خاصة مضيق هرمز، إلى جانب القفزة الكبيرة في أسعار النفط العالمية. كل ذلك انعكس مباشرة على واردات السودان من المواد البترولية، فارتفعت أسعار الجازولين والبنزين، وامتدت النار إلى بقية السلع والخدمات.

وترى شمام أن المواطن السوداني هو الخاسر الأول في هذه المعادلة القاسية، إذ يواجه ارتفاعًا متواصلًا في الأسعار، وتضخمًا يلتهم ما تبقّى من الأجور، ورواتب فقدت قيمتها عامًا بعد عام تحت سماء الحرب.

ورغم بعض المحاولات المحدودة من بعض الولايات عبر إنشاء أسواق مخفضة، إلا أن تلك الجهود تبدو ضئيلة أمام جبل الضغوط المعيشية المتراكم فوق صدور الناس.

ومنذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل عام 2023، والجنيه السوداني يواصل سقوطه الحاد أمام العملات الأجنبية. الدولار الأمريكي، الذي كان يساوي نحو 560 جنيهًا قبل الحرب، تجاوز اليوم حاجز 4000 جنيه، في انهيار يكشف حجم الكارثة الاقتصادية التي يعيشها السودان.

هكذا تبدو الصورة في الخرطوم: مدينة تحاول الحياة وسط الدخان، وأسواق تضج بالأسعار لا بالبضائع، ومواطن يطارد لقمة العيش بين رماد الحرب ونار الغلاء.

Exit mobile version