تحول “تحالف تأسيس” من الاستيلاء على الدولة إلى استبدالها في السودان

 *بقلم : ريبيكا مولوجيتا* 

 _باحثة في مجلة Horn Review_ 

تركز العديد من التحليلات للصراع السوداني عادةً على صدام الجيوش المتنافسة، وانهيار المؤسسات القائمة، والكارثة الإنسانية الناجمة عنه. ورغم أن هذه العوامل واقعية بلا شك، إلا أنها تقدم سردًا ناقصًا يصور حجم الدمار دون إدراك التحول الجذري الكامن وراءه. فالصراع السوداني اليوم يتجاوز كونه مجرد صراع تقليدي على النفوذ؛ إنه تحول جوهري في منطق السلطة نفسه. ويمثل تحالف التأسيس الصاعد، الذي يُعدّ الخطوة التأسيسية لبناء بيئة سياسية جديدة، خروجًا عن القواعد التقليدية للحرب الأهلية. ويشير هذا إلى أن جوهر التوتر لم يعد سباقًا للاستيلاء على الدولة القائمة.

على مدار معظم تاريخها الحديث، تمحورت صراعات السودان حول مبدأ تنظيمي واحد: الدولة. خاضت الحركات المسلحة معاركها للاستيلاء عليها، أو إصلاحها، أو الفرار منها. حتى في لحظات التفكك، احتفظت الدولة بمكانتها كمصدر نهائي للشرعية والاعتراف. وكان إنشاء التحالف بحد ذاته امتدادًا لهذا المنطق، ورفضًا لسلطة الخرطوم، لا لفكرة الدولة نفسها. ما يميز الوضع الراهن هو أن هذا الافتراض بدأ يتلاشى.

تجاوزت حركة تأسيس مفهوم التحالف فحسب ، مُشيرةً إلى تحوّل استراتيجي لم يعد فيه النصر يُقاس بالسيطرة على الخرطوم، بل ببناء سلطة في الفراغ الذي خلّفته دولة متراجعة. ويُجسّد التقارب بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال هذا التحوّل؛ فعلى الرغم من اختلاف تاريخهما، أقرّ كلا الطرفين بالواقع البنيوي المتمثل في زوال المركز القديم واستحالة إعادة بناء السلطة الوطنية على صورتها الأصلية. ما يتبلور ليس دولة بديلة واحدة، بل مشهدٌ أكثر أهمية لـ”سلطة مُصطنعة”، نسيجٌ من الحكم المستقل حيث تعمل الضرائب والأمن المحلي والأنظمة الإدارية خارج الإطار الوطني التقليدي تمامًا.

في هذه المرحلة، من المهم تحديد ماهية حركة تأسيس بدقة. فهي ليست منظمة رسمية واحدة أو حركة موحدة، بل يُفهم وجودها على نحو أفضل كمشروع سياسي أو عقيدة ناشئة ، أي طريقة تفكير في السلطة تتبناها، بشكل متفاوت، جهات مسلحة في السودان. عندما يشير المراقبون إلى “تحالف تأسيس”، فإنهم عادةً ما يقصدون التقارب بين جماعات مثل قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، إلى جانب جهات فاعلة محلية أخرى، بدأت تعمل وفق منطق مشترك: لم تعد الدولة المصدر الوحيد أو حتى الرئيسي للسلطة.

إلى جانب السعي المحموم للهيمنة العسكرية، اتجهت هذه الجهات الفاعلة نحو غاية استراتيجية أكثر تعقيدًا: ترسيخ السلطة في المناطق التي فشلت فيها الدولة. لا يكمن هدفها في وراثة أنقاض الخرطوم، بل في بناء أنظمة حكم ذاتي تفرض الاعتراف بها كجهات فاعلة شرعية في أي حل مستقبلي. وفي هذا الإطار، تُشكل حركة تأسيس لغة استراتيجية مشتركة تُحوّل الصراع من صراع ثنائي على الخلافة إلى ساحة من مراكز سلطة متعددة وراسخة. هذا التحول يُذيب فعليًا المفاهيم التقليدية للسيادة، حيث تندمج الحدود غير الثابتة وطرق التجارة العابرة للحدود والشبكات المسلحة في صراعات محلية مع حالة عدم استقرار إقليمية أوسع. من خلال تأسيس السلطة من القاعدة بدلًا من الاستيلاء على المركز، لا تخوض هذه الجماعات حربًا فحسب، بل تُعيد تشكيل المنطق الإقليمي والسياسي للقرن الأفريقي بشكل جذري.

في جوهرها، تمثل حركة تأسيس تحولاً جذرياً من سياسة الاستحواذ إلى سياسة البناء، متجاوزةً الدولة تماماً لبناء السلطة من القاعدة إلى القمة بدلاً من فرضها من المركز. تتحدى هذه الحركة بشكل أساسي الافتراض الحديث للسيادة الواحدة الثابتة، مستبدلةً إياها بـ”سيادة موازية” تتعايش فيها مراكز قوة متعددة وتتنافس ضمن نفس الحيز الوطني. والنتيجة هي إعادة تعريف عميقة للحكم باعتباره شيئاً متفرقاً، قابلاً للتفاوض، ومشروطاً بدلاً من كونه مركزياً ومطلقاً. وبالمقارنة التحذيرية مع جنوب السودان حيث فشل الاستقلال في حل الانقسامات الداخلية، يشهد السودان الآن تفككاً تدريجياً لدولة قائمة. تُظهر الحالتان نفس الأزمة الهيكلية: العجز المتأصل للسلطة المركزية عن استيعاب المطالبات المتنوعة والمحلية والمتنافسة على السلطة.

يتردد صدى منطق تأسيس بقوة في جميع أنحاء القرن الأفريقي، موفرًا نموذجًا قويًا لحركات التمرد لتجاوز معارضة الدولة نحو جعل الدولة غير ذات صلة تمامًا من خلال بناء سلطة خارج المؤسسات الرسمية. هذا التحول يغير جذريًا عتبة الإمكانيات الإقليمية، ويطمس الخطوط الفاصلة بين الحرب والحكم، حيث يبدأ النظام في الظهور من التشرذم بدلًا من التوحيد. وتتعزز هذه الأنظمة اللامركزية باقتصادات حرب قوية، لا سيما من خلال استخراج الموارد كالذهب، مما يمنح الجهات المسلحة الاستقلال المالي اللازم للحفاظ على الحكم المستقل. ونتيجة لذلك، يتطور التشرذم من مجرد حالة سياسية إلى استراتيجية اقتصادية متعمدة، مما يخلق حوافز قوية وراسخة لمراكز القوى المحلية لمقاومة أي عودة إلى دولة موحدة مركزية.

يزيد الضغط على الحدود من تعقيد هذا المشهد، إذ يُفاقم ظهور سلطات موازية واقع التنقل والتجارة والروابط الاجتماعية عبر الحدود. وتنجذب الدول المجاورة بشكل متزايد إلى هذه الشبكات، سواء بدافع الضرورة أو التخطيط، متفاعلةً مع جهات فاعلة غير حكومية تمارس سيطرة إقليمية فعّالة. ويخلق هذا بيئة إقليمية لم تعد فيها الصراعات محصورة، بل مترابطة ومتزايدة الصعوبة في إدارتها. ويعكس مسار السودان أزمة أوسع نطاقًا تتعلق بالدولة في القرن الأفريقي، حيث يُنظر إلى الدولة غالبًا على أنها هيكل إقصائي لا مؤسسة شاملة. وينبع جاذبية بناء السلطة خارج الأنظمة الرسمية من خيبة أمل عميقة في النماذج السياسية الفاشلة، مما يجعل حركة تاسيس حركةً تُجسّد الحاجة المُلحة إلى بدائل، وخطر تسريع التشرذم الذي تسعى إلى حله.

إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن من هذا التحليل ليس ما إذا كان بإمكان تاسيس توحيد السودان، بل نوع الوحدة التي يمكن أن يُحققها، إن وُجدت . إن التقارب بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال لا يُشير إلى عودة الدولة المركزية ، بل يُوحي بظهور نظام أكثر لامركزية وتفاوضًا، تتعايش فيه مراكز سلطة متعددة ضمن إطار سياسي مرن. من الناحية النظرية، يُمكن لمثل هذا الترتيب أن يُوفر شكلًا من أشكال الاستقرار الذي يعكس تنوع البلاد، ولكنه سيكون هشًا بطبيعته، ويعتمد على المفاوضات المستمرة، وعرضة لتقلبات السلطة والمصالح.

بهذا المعنى، لا يحلّ تاسيس أزمة السودان، بل يعيد صياغتها. فهو يحوّل التركيز من مسألة من يسيطر على الدولة إلى مسألة ما إذا كانت الدولة لا تزال الأداة الرئيسية للنظام السياسي. لا تزال الإجابة على هذا السؤال قيد التكشف، لكن اتجاه التغيير واضح. لم يعد السودان مجرد دولة في حالة صراع، بل أصبح فضاءً سياسياً تُختبر فيه أشكال جديدة من السلطة، وتُنازع، وتُبنى في الوقت الراهن.

بالنسبة للقرن الأفريقي، فإنّ التداعيات بالغة الأهمية. فإذا ما ترسّخت منطق تأسيس خارج السودان، فقد يُعيد تشكيل البيئة السياسية للمنطقة بطرق يصعب التراجع عنها. وقد تتحوّل الصراعات من التركيز على الاستيلاء على السلطة إلى التركيز على بنائها في مناطق مجزّأة. وقد تفقد الحدود أهميتها كخطوط سيطرة، وتزداد أهميتها كمناطق تفاعل. وقد يتلاشى التمييز بين الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية، إذ تُعرَّف السلطة بشكل أقل بالاعتراف وأكثر بالفعالية.

إن ما هو على المحك ليس مستقبل السودان فحسب، بل مستقبل النظام السياسي في منطقة لطالما كانت فيها الدولة مركزية ومحل نزاع. تمثل تأسيس نقطة تحول في هذا المسار، إذ تعكس عالماً لم يعد فيه انتزاع السلطة من المركز أمراً يُنتزع منه، بل يُبنى حيث لم يعد للمركز وجود. يبقى من غير المؤكد ما إذا كان هذا سيؤدي إلى أشكال جديدة من الاستقرار أم إلى تفتيت أعمق وأكثر ديمومة. لكن ثمة أمر واحد واضح: لقد تغيرت قواعد الصراع. وفي السودان اليوم، تُعاد صياغة هذه القواعد بطرق ستُشكّل المنطقة لسنوات قادمة.

 

Exit mobile version