ثلاث سنوات من الحرب: السودان بين سقوط المركز وتعدد السلطات

بقلم : محمد عمر شمينا 

ثلاث سنوات مضت على إندلاع الحرب في السودان، لكنها لم تكن مجرد فترة زمنية عابرة، بل مثلت انزلاقاً متدرجاً من أزمة سياسية قابلة للاحتواء إلى انهيار شبه كامل لفكرة الدولة. حين اندلع القتال في 15 أبريل 2023، في سياق ما عُرف بـحرب السودان 2023، بدا المشهد في ظاهره صراعاً على السلطة بين مكونين عسكريين، غير أن ما تكشف لاحقاً كان أعمق من ذلك بكثير وهى أزمة بنيوية ممتدة في طبيعة الدولة السودانية، وفي علاقتها بالمجتمع، وفي توازناتها الداخلية التي ظلت هشة منذ الاستقلال.

خلال هذه السنوات الثلاث، لم تعد القضية من يحكم، بل هل بقي ما يمكن حكمه أصلاً. فقد تآكلت مؤسسات الدولة بشكل غير مسبوق، وتراجعت قدرتها على احتكار العنف المشروع، وهو المعيار الكلاسيكي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. لم يعد الفاعل العسكري الرسمي هو الوحيد في المجال الأمني، كما لم تعد السلطة المركزية قادرة على فرض سيادتها على كامل الولايات. وبدلاً عن ذلك، برزت مراكز قوى متعددة، بعضها مسلح وبعضها اجتماعي، أعادت تشكيل الواقع خارج الإطار القانوني والمؤسسي.

التحول الأخطر لم يكن فقط في تعدد مراكز القوة، بل في تفكك فكرة (المركز) نفسها. فالخرطوم، التي ظلت تمثل القلب السياسي والإداري للدولة، تحولت إلى ساحة صراع مفتوحة، وفقدت تدريجياً رمزيتها ووظيفتها. ومع غياب المركز، لم تعد الأطراف تنتظر توجيهاً من السلطة، بل بدأت في إنتاج ترتيباتها الخاصة، سواء على مستوى الأمن أو الإدارة أو حتى تقديم الخدمات، وهو ما يعكس انتقالاً فعلياً من نموذج الدولة المركزية حتى وإن كانت ضعيفة إلى واقع أقرب إلى اللامركزية القسرية أو حتى التفكك الوظيفي.

سياسياً، كشفت الحرب حدود النخبة المدنية التي صعدت بعد الثورة السودانية 2019. هذه النخبة، رغم مشروعيتها الثورية، لم تكن مهيأة لإدارة دولة معقدة خرجت من عقود من الحكم الشمولي. فقد افتقرت إلى الخبرة المؤسسية، وإلى أدوات الفعل داخل أجهزة الدولة، كما لم تمتلك تصوراً عملياً لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية. ومع تصاعد التوتر بين المكونين العسكريين، وجدت نفسها عاجزة عن لعب دور الوسيط أو الضابط للإيقاع السياسي، لتنتهي في موقع المتلقي للأحداث بدلاً من صانعها.

ولا يمكن فصل هذا الضعف عن الإرث الثقيل الذي خلفه نظام الإنقاذ ، والذي عمل طوال عقود على إضعاف المؤسسات المدنية، وتجريف الكفاءات، وإحلال الولاء السياسي محل المهنية. هذا الإرث لم يسقط بسقوط النظام، بل استمر كعامل خفي يقيد أي محاولة لبناء دولة حديثة، ويجعل الانتقال الديمقراطي عملية معقدة تتجاوز مجرد تغيير السلطة إلى إعادة بناء الدولة نفسها.

في المقابل، أظهرت الحرب كيف يمكن للقوى المسلحة غير النظامية أن تستثمر في هشاشة الدولة. فقد تمكنت من التمدد مستفيدة من فراغات السلطة، ومن تحالفات ظرفية مع بعض القوى المدنية والإدارات الأهلية، ما منحها شرعية اجتماعية نسبية في بعض المناطق. هذا التداخل بين العسكري والمدني، بين الرسمي وغير الرسمي، خلق واقعاً مركباً يصعب تفكيكه، حيث لم تعد خطوط الفصل واضحة، بل أصبحت المصالح متشابكة بطريقة تعقد أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد.

اقتصادياً، عمّقت الحرب من حالة الانهيار، حيث تعطلت سلاسل الإنتاج، وتراجعت موارد الدولة، وارتفعت معدلات الفقر والنزوح بشكل حاد. لم يعد الاقتصاد مجرد ضحية للحرب، بل أصبح أحد ساحاتها، حيث تتداخل شبكات المصالح والتمويل مع مسارات القتال، وتتحول الموارد إلى أدوات للصراع بدلاً من أن تكون أساساً للاستقرار. وهذا البعد الاقتصادي يضيف طبقة أخرى من التعقيد، إذ يجعل من الصعب فصل التسوية السياسية عن إعادة توزيع الموارد والنفوذ.

إن أخطر ما أفرزته هذه السنوات الثلاث ليس فقط حجم الدمار أو الكلفة الإنسانية، بل ترسيخ واقع جديد على الأرض. فمع مرور الوقت، تتشكل سلطات أمر واقع، وتُبنى شبكات مصالح ترتبط باستمرار الحرب، ما يجعل إنهاءها ليس مجرد قرار سياسي، بل عملية معقدة تتطلب تفكيك هذه الشبكات وإعادة دمجها في إطار دولة موحدة. وكلما طال أمد الصراع، أصبح هذا الهدف أكثر صعوبة، وأكثر كلفة.

ورغم كل ذلك، فإن اختزال الأزمة في بعدها العسكري يظل قاصراً. فالحرب ليست سوى عرض لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها دولة لم تنجح تاريخياً في بناء عقد اجتماعي جامع، ولا في إدارة تنوعها الإثني والثقافي بصورة عادلة، ولا في ترسيخ مؤسسات مستقرة تتجاوز الأشخاص والأنظمة. ومن دون معالجة هذه الجذور، فإن أي وقف لإطلاق النار سيظل هشاً، وقابلاً للانهيار عند أول اختبار.

بعد ثلاث سنوات، لم يعد السؤال متى تنتهي الحرب فقط، بل كيف يمكن إعادة تصور الدولة بعدها. فالسودان يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي إما الشروع في عملية بناء جديدة تعيد بناء الدولة على أسس مختلفة، تقوم على توزيع عادل للسلطة والثروة، وعلى إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، أو الاستمرار في حالة السيولة التي قد تقود تدريجياً إلى مزيد من التفكك.

وفي هذا السياق، لا يبدو الرهان على الحلول التقليدية كافياً. فإعادة إنتاج الصيغ القديمة، سواء في شكل تسويات نخبوية ضيقة أو شراكات هشة بين المدنيين والعسكريين، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها. المطلوب ليس فقط إنهاء الحرب، بل إعادة تعريف فكرة الدولة، ووظيفتها، وحدود سلطتها، بما يتناسب مع واقع ما بعد هذه السنوات الثلاث.

يبقى التحدي الحقيقي في أن هذا التحول لا يمكن أن يتم في الغرف المغلقة أو عبر تفاهمات فوقية فقط، بل يحتاج إلى عملية سياسية أوسع، تنفتح على المجتمع، وتعكس تطلعاته، وتترجم إلى ترتيبات عملية على الأرض. فالتجربة أثبتت أن غياب الرؤية الواضحة، والاكتفاء بإدارة الأزمات، كان أحد الأسباب الرئيسية في الوصول إلى ما هو عليه الحال اليوم.

هكذا، وبعد ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان وكأنه يقف بين زمنين زمن الدولة التي كانت، وزمن الدولة التي لم تتشكل بعد. وبين هذين الزمنين، تتحدد ملامح المستقبل، ليس فقط بوقف القتال، بل بمدى القدرة على التعلم من هذه التجربة القاسية، وتحويلها من لحظة انهيار إلى فرصة لإعادة التأسيس على نحو أكثر صلابة واستدامة. 

Exit mobile version