
بلا قناع
بقلم : حاتم أيوب أبوالحسن
لا تبدو الأزمة في السودان مجرد تعثّر في مسار انتقال سياسي، بل تعبيرًا عن بنية عميقة تعيد إنتاج نفسها باستمرار. فالدولة، بمعناها المؤسسي، لم تكتمل ولادتها بعد، لأن ما يمكن تسميته بـ”جمهورية الظل” لا يزال فاعلًا في تشكيل المجال السياسي، موجّهًا مساراته، ومُعطِّلًا أي تحوّل حقيقي.
هذه ليست بقايا نظام سابق، بل بنية مرنة وممتدة، تتغلغل داخل مؤسسات الدولة وخارجها في آنٍ واحد. لا تعتمد على الظهور المباشر، بل على قدرتها العالية على التخفي والتكيّف، محتفظةً بنفوذها عبر السيطرة على مفاصل الاقتصاد، والتأثير في دوائر القرار، وإعادة تموضعها مع كل تحوّل سياسي دون أن تفقد جوهرها.
قوة هذه الشبكات لا تُقاس بما تحققه من نجاحات ظاهرة، بل بقدرتها على التحكّم في مسارات الفشل. فتعطيل المبادرات، وإفراغ الاتفاقات من مضمونها، وتوجيه الأزمات، ليست أعراضًا عرضية، بل أدوات بنيوية ضمن استراتيجية بقاء محكمة.
في هذا السياق، لا يبدو المشهد السوداني كسلسلة إخفاقات، بل كنمط متماسك من “إدارة الأزمة”. التاريخ لا يتقدّم، بل يُعاد تدويره ضمن دورة مغلقة: مبادرات تُطلق، اتفاقات تُوقّع، ثم تتآكل تحت ضغط التناقضات الداخلية والتوازنات الخارجية، لتعود الأمور إلى نقطة قريبة من البداية.
إنها حالة من “الحركة داخل الثبات”، حيث تتغيّر الواجهات بينما يبقى جوهر السلطة على حاله. وهنا يصبح اللااستقرار ليس نتيجة عجز، بل خيارًا مُدارًا.
لم تعد هذه البنية محلية خالصة، بل نسجت علاقات متشعبة مع فاعلين إقليميين ودوليين، تمنحها قدرة أكبر على المناورة. وضمن هذا التشابك، تتحوّل بعض المبادرات الدولية من أدوات للحل إلى آليات لإدارة التوازنات، حين تكتفي باحتواء النتائج دون تفكيك الأسباب البنيوية للأزمة.
المشكلة، إذن، ليست في غياب المبادرات، بل في هشاشة البيئة التي تستقبلها. فكل مشروع للتغيير يواجه مصيرين متكررين: إجهاض مبكر أو احتواء تدريجي. وفي كلا الحالتين، يفقد قدرته على إحداث تحوّل فعلي.
من هنا، يتقدّم سؤال “كيف نحمي التغيير؟” على سؤال “كيف نُنتجه؟”. لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في ابتكار الأفكار، بل في تحصينها من آليات التفريغ وإعادة التوظيف.
في المحصلة، لم يعد الصراع في السودان بين قوى متنافسة فحسب، بل بين منطقين متناقضين: منطق الدولة، الذي يسعى إلى التأسيس والاستقرار، ومنطق الشبكات، الذي يقوم على إدارة الهشاشة واستدامة الأزمة. وبين هذين المنطقين، تستمر حالة انتقال بلا نهاية.
هكذا يتحرّك المشهد… دون أن يصل.
ثباتٌ يتحرّك، لأن من يُحرّكه لا يريد له أن يصل.