حكاية من بيئتي (32) الكوكندي

محمد احمد الفيلابي

و(الكوكندي) مفردة لم يوردها البروفيسور عون الشريف في قاموس اللهجة العامية السودانية، إلا أن (إمينة بت ود الماحي) كانت قد نفخت فيها روح البقاء، حين أوردتها ضمن ذلك النص الذي يصوّر جانباً من حياة المرأة الريفية في العقود الأولى من القرن الماضي..

“ده بلاياً في الخِدمة شاط

وجضّن منو البنات

الكوكندي في شعورن بات

ومتخزّن تحت المشاط”.

و(الكوكندي) هو شرا الدُّخُن، تلك الأشواك أو الشعيرات الدقيقة التي تحيط بذور الدُّخّن وتحميها. أي الزوائد الشَعرية الصلبة التي تبرز من غلاف الزهرة أو السنبلة، وتعمل كآلية دفاعية لحماية الحبوب من الطيور والآفات. والمعروف أن الدخن هو أحد الغلال التي تتميز بقدرتها الكبيرة على تحقيق الأمن الغذائي الآمن في ظل تغيُّر المناخ. حيث يستطيع النمو في مختلف البيئات، بما في ذلك الأراضي القاحلة.

يؤكد البروفيسور (مايكل بوروغانان) المتخصص في علم الأحياء بجامعة نيويورك أن محصول الدخن لعب دوراً محورياً في العصور الأولى من الحضارة الصينية. وهو مصدر جيّد للكربوهيدرات والألياف والفيتامينات والمعادن، والمركّبات العضوية التي تعزّز صحة الانسان، حيث يدخل في عدد من الوجبات الشعبية.

تقول الحكاية أن جدنا اللبيب (ود حنداد) وهو مغني شعبي بارع، وبحكم العلاقة الفنية التي تربطه بالشاعرة (إمينة) – بكسر الألف – ولعلها تصغير أكثر حميمية لـ(آمنة)، طلب منها استنفار (من نفير) صويحباتها ليساعدنه في قطع (حصاد) الدخن في حقله، حين لم تكن هناك عمالة زراعية، (فقط نفاير – جمع نفير). ولأن (إمينة) ستضيف مع اللبيب نفسه بُعداً فنياً خالصاً لتلك المهمة الشاقة، حيث تتم مقارعة الشرا بالأكف العارية، فقد نجح الأمر. وفيما بعد وثّقت (إمينة) معاناتها ذلك النهار، وهي التي عُرفت بممارسة غزل القطن والشَّعَر والصوف، ونظم الشِّعْر.

“ما بقدر عليهو أدارقو

وما بحمل من بيتو أفارقو

وده بلاياً الله خالقو”

ما كنت لأعرف شيئاً عن (إمينة) وقد رحلت يرحمها الله قبل ميلادي، لولا تلك الليلة الفريدة من خريف العام 1988، والفيضان يناوش قرانا، ويغازل الماء المنازل، حين سمعت غنائهن المغاير عند اللسان الممتد من النهر الجامح إلى البيوت، بعد أن أغرق الزرع. كن ستة من كبار نساء القرية، اقتربت منهن محتمياً بالظلمة، واتخذت موقعي، حيث يصلني الغناء واضحاً..

“البحر الطمح بكيّت جميع الحي

وعيش ريف الإمام في الموجة

طفّح ني

..

الليلة البحر خابر مضاريبو

وعيش ريفاً حَسِين الـ الله داريبو

ما مرق الخدار شاشينا لي جيبو

وخلو يا الخزين.. عُقْبَاً بنأتيبو

الليلة البحر سوانا في سولا

عيش الريف غِرِق والويكة منشولة

يوم جابوها لي.. جابوها مشيولة

التيراب كِمِل.. ما ضُقنا حصُّولا

كن يوقعن على ما نسميه (نُقّارة) ويسميه أهل دارفور (الدِّنقر)، وهي أنصاف بُخس القرع بأحجام مختلفة توضع مقلوبة في (طست) ملئ بالماء، يُضرب عليها بواسطة عصايات صغيرة، ويكون الغناء حِوارياً تتبادله النساء. هذا النمط كان يُستخدم في المآتم لمدة ثلاث ليالي، وقد شهدنا ونحن أطفال (النُقّارة) جنباً إلى جنب النحاس في ذلك المهرجان الحزين الذي امتد لأيام تعبيراً عن حزن القرية لفقد العمدة (الحسن ود ضبعة).

كان الغناء في تلك الليلة الخريفية يستثير غدد البحث، ففيه من التماسك اللغوي، والفائدة التوثيقية الكثير. ما حثني لأسعى لمجالسة عدد من نساء القرية المسنات لمعرفة المزيد عن (إمينة) التي تغنّت بفيضان (1946)، إلا أن الذاكرات كانت قد بدأت تفقد الكثير. وأسعفتني فيما بعد جدتي (بت ود حسب الله) التي فارقت القرية رفقة زوجها (ود حنداد – الابن) – يرحمهما الله، والذي عمل بمحطة أبحاث الحديبة، فأقام بأسرته في الشعديناب بالدامر. وقتها كنت أكتب برنامجاً درامياً لإذاعة عطبرة باسم (من حكاوي الغبش). وقد أعانتني حكاياتها عن (إمينة) وعمها (اللبيب)، ومخزون الشِعر في ذاكرتها في كتابة الكثير من الحلقات.

ومن بين ما وثّقت له (إمينة) مقاربات الحياة ما بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في ذلك الزمان، حيث وجدت بمنطقتنا (سرايا العمدة) ممثلة للسلطة السياسية، وحكومة الاستعمار، في تواثقها مع سلطة الأسياد (أهل الطريقة)، وغير بعيد عنها خلاوي (أولاد الحاج جابر) لتحفيظ القرآن والتي نشأت في القرن السابع عشر الميلادي، ولا زالت تمارس دورها الديني، وتعكس بساطة أهل الريف، وناشري الدين الشعبي الذي لا يعرف الغلو والشطط. فأبرزت (إمينة) ما كان من نفور أهل السلطة من الفقهاء وحياتهم البسيطة، من خلال التغنّي بأحد الفقهاء (الفكي عبد القيوم):

“أنا غنيت وجبت الموم

فوق عبد القيوم

الما بلقنوهو فهوم

إن لحظ الخصيم

ما أظنو تاني ينوم”

وتلك حكاية غير موثوقة عن تعرّض الشيخ الفقيه (الفكي) لازدراء أحد رجال السرايا حين مرور العمدة. وقيل إن المزدري حدث له ما يشبه انفجار (البواسير)، وسار بين الناس أنه الانتقام الإلهي، وتبيان كرامات الفقيه، خاصة وكما قيل إنه هو من قام بـتطبيب و(رُقية) المصاب لينقطع الدم في اللحظة والتو.

“أنا غنيت وجبت النَّم

فوق عبد القيوم

بُقّة عقود السم

الما بلقنوهو فهم

إن لحظ الخصيم

لامن يحيض الدم”.

كشفت أشعار (إمينة) على قلة ما حصلت عليه منها تفاصيل بالغة الأهمية عن الحياة في تلك المرحلة التاريخية في منطقتنا. والأمر يشبه ما يحدث حولنا، حيث توثّق الثقافة الشفهية للحِرَف التقليدية والفنون الشعبية، وأنماط الحياة والأحداث الاجتماعية والدينية المهمة التي تشكل الهوية الثقافية. ويقول أحد الباحثين في التراث أن التاريخ الشفوي يُعدّ المصدر الوحيد لفهم تراث الجماعات التي لم تُوثّق بشكل كاف، مثل المجتمعات الريفية، فهو أداة حيوية لسد الفجوات التاريخية. الأمر الذي يجعل احتضان التاريخ الشفوي، والبحث والتنقيب حوله، وتوثيقه، وعرضه على الأجيال اللاحقة أمراً ضرورياً للحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز الشعور بالانتماء، فهو يتجاوز مجرد سرد الماضي، مُجسّداً الذاكرة الحية للشعب، التي توارثتها الأجيال. 

تقع المسؤولية هنا على عاتق الهيئات الثقافية بتحفيز الباحثين، والاستفادة من التقنيات الحديثة لحماية التراث الشفهي، وإطلاق مشاريع تهدف إلى جمع وأرشفة الشهادات الفردية، لا سيما في المناطق التي تنعدم فيها الوثائق المكتوبة، أو في حالنا، حيث فقدنا الكثير من البحوث والدراسات جراء إهمال هذا الجانب الحيوي، قبل أن تأتي الحرب لتكمل ما قام به النظام السياسي السابق من التجريف المتعمد.

والأمر هكذا يأتي ذكر الباحث الشعبي الفذ (الطيب محمد الطيب)، والمساندة الكبيرة التي تلقاها من معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية في جامعة الخرطوم، ويحمد له (يرحمه الله) أنه سارع في جمع جزء كبير من بحوثه في عدد من الكتب، ليؤكد لنا أن التاريخ الشفهي جزء من منظومة التراث المتكاملة، والتي تتكون من عدة سلاسل، من ضمنها التاريخ الشفهي، والفلكلور والفنون، بالإضافة إلى البحث الميداني، والتأليف، وغيرها من السلاسل الأخرى التي ترتبط بالتراث، وهو المفهوم الأعم والأشمل.

فهل نطمع أن تلعب المؤسسات التعليمية في قادم الأيام دورها في تعزيز أهمية التاريخ الشفهي لدى الأجيال الشابة، عبر تطوير المناهج الدراسية، وتنظيم ورش العمل، وتشجيع مجالات البحوث التراثية والفلكلورية. وفي ذلك تحقيق لمقولة أن احتضان التاريخ الشفوي ليس مجرد استثمار، بل هو ضرورة للمستقبل، إذ يُغذي التنوع الثقافي ويُساهم في تكوين ذاكرة جماعية متماسكة.

ما قامت به (إمينة) من المؤكد أن له ما يشبهه في مناطق أخرى كثيرة من هذا الوطن القارة، فهل نجد فيه من التعافي الذي نحتاجه الآن، ويحتاجه الجيل القادم؟ 

وفي اعتقادي أنه يكفينا فخراً تأكيدها على ما قام عليه أسلافنا من قيم اليقين والايمان القاطع الوارد في مقطع “خلو يا الخزين عُقباً بنأتيبو..”. أي أننا سنأتي به مجدداً، أو في احتفائها بالمعرفة والعارفين.. “الما بلقنوهو فهم”. ومثلما حمى (الكوكندي) بذرة الدخن من الطيور والآفات، حمت أشعار (إمينة) تلك الصور من الاندثار. وهكذا سيحمي الاهتمام بالتراث قيم المجتمعات… فهل؟؟

ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي

 

Exit mobile version