
بقلم: يوسف الغوث
لا يمكن فهم المريسة كظاهرة اجتماعية في السودان بمعزل عن سياقها التاريخي والثقافي، فهي ليست مجرد مشروب تقليدي، بل هي نص ثقافي مكثف يعكس تحولات المجتمع السوداني وتناقضاته. وفي هذا الإطار، يأتي كتاب (الأنداية) للروائي والكاتب السوداني الراحل الطيب محمد الطيب والذي توفي عام 2005 ليكون أبرز توثيق أدبي لهذه الظاهرة، حيث جاب الكاتب معظم اندايات السودان، ودوّن طقوسها ومراسيمها، محولاً إياها من موضوع للمسكوت عنه اجتماعياً إلى مادة للتحليل الثقافي.
تؤكد المصادر التاريخية والأثرية أن صناعة المشروبات التقليدية المختمرة في السودان تعود إلى العصر النوبي القديم، منذ حوالي 7000 عام قبل الميلاد.
ويشير المؤرخ السوداني محمد أبو سليم إلى أن هذه المشروبات كانت تعدّ في الأصل للمناسبات الاجتماعية والأعياد، ولم تكن سلعة للبيع في شكلها التقليدي. أما العرقي (Arak) المصنوع من التمور، فكان يُقطر في كل منزل نوبي تقريباً في شمال السودان، حيث كان لكل بيت ركن خاص للتخمير والتقطير. في كتابه (الأنداية) يتجاوز الكاتب والمؤرخ، الاستاذ/ الطيب محمد الطيب السرد الوصفي إلى تحليل وظائف المريسة الإجتماعية.
فقد كانت الأنداية حينها، بمثابة نوادٍ شعبية مفتوحة، حيث يلتقي بداخل الأنداية مجموعات متباينة من مكونات المجتمع كالعمال والفلاحون والحرفيون. ويصف الاستاذ/الطيب كيف أن هذه الأماكن كانت تعمل كنظام دعم اجتماعي غير رسمي، يتساوى فيها الجميع بغض النظر عن الانتماء القبلي أو الطبقي. وهذا يعكس ما يمكن تسميته (بالعلمانية الشعبية) التي تتعايش مع التدين السائد. دون أي تقاطع .
ترصد (الأنداية) تناقضا مذهلا فصناعة المشروبات التقليدية كانت حكرا على النساء، وفي هذا الصدد فان (جودة الشراب ) غالبا ما تكون مؤشراً على كفاءة الزوجة وعلامة من علامات الكرم. غير أن هؤلاء النساء أنفسهن كن يواجهن وصماً اجتماعياً مزدوجاً، فمع أنهن يديرّن اقتصادا غير رسمي مهماً، إلا أن المجتمع السائد يصنفهن (كغير أخلاقيات) بسبب خروجهن على التقاليد المحافظة.
والمفارقة أن المؤرخ الراحل حسن نجيلا وصف في كتابه صور من المجتمع السوداني، كيف أن السيدة فوز (والدتها حلوة) كانت تدير صالوناً أدبياً في الخرطوم بين 1920-1925، وكانت تقدم المشروبات للسياسيين والمثقفين والفنانين، دون أن تتعرض للوصم نفسه، وذلك بفضل موقعها الاجتماعي المتميز. وهذا يعكس كيف أن الطبقة تحدد درجة التسامح الاجتماعي مع الممارسة نفسها.
ولكن ربما يكون الجانب الأكثر إثارة في تحليل (الأنداية) هو كيف تعكس المريسة صراعاً مركزياً في الهوية السودانية، فالبرغم من أن تحريم الخمر قطعي في الإسلام، يوثق الاستاذ/الطيب كيف أن السودانيين تعاملوا مع هذا التناقض بـمرونة فريدة. فقد كان التبرير الشعبي حينها مرتبطا ببساطة وطيبة وتسامح الشعب السوداني، حيث كانوا يقولون (الماء من نيلنا والتمر من أرضنا، فلماذا الشراب محرم؟). ان هذا التبرير ليس مجرد محاولة لتبرئة الذات، بل يعكس منطقاً ثقافيا متجذراً يضع حق الأرض والموارد الطبيعية فوق الأحكام الدينية والنصوص الجامدة، لذلك نلاحظ ان الاستاذ/ الطيب يكشف في كتابه الأنداية، كيف أن موقف الدولة من شرب المريسة كان متقلباً ومتناقضاً.
ففي عصر المهدية (1885-1898) تم حظر شرب المريسة مع اصدار عقوبات بدنية صارمة بحق شاربي المريسة،
اما في حكومة مايو (1969-1985) فقد شهدت تناقضاً صارخاً، فهي التي حظرت الكحول تماماً في سبتمبر 1983 بعد تطبيق (الشريعة) او ما يسمي بقوانين سبتمبر، مع إغراق آلاف اللترات في النيل الأبيض، بينما كان رئيسها الأسبق جعفر نميري، وفق الأسطورة الحضرية دوما يتردد على محل خمر بلدي في ودمدني قبل وصوله للحكم، ولم يسدد فاتورة او بدفع ثمن الخمر قط.
والمفارقة الأعم أن إحصاءات استهلاك الكحول في الوطن العربي لعام 2014 وضعت السودان في المرتبة الثانية بعد تونس، رغم أن النظام الحاكم آنذاك (حكومة الإنقاذ) كان الأكثر تشدداً في تطبيق الحدود. وهذا يعني أن الحظر الرسمي قد أنتج سوقاً سوداء مزدهرة، وزاد الاستهلاك بدلاً من أن يحد منها.
أما على المستوي الاقتصادي، فربما يكون الاستاذ/طيب محمد الطيب قد قدّم، دون أن يقصد، تأريخاً مبكراً لـ اقتصاد المقاومة النسوي. ففي ظل تهميش المرأة اقتصادياً، شكلت صناعة وبيع المريسة مصدر دخل حيوياً للعديد من الأسر، خاصة الأرامل والمطلقات. وهذا يتوافق مع ما تشير إليه الدراسات الأنثروبولوجية عن دور النساء (جنوب السودان)، بعد نزوحهن إلى الخرطوم إثر الحرب، في صناعة العرق كوسيلة للبقاء، مما جعلهن يُصنّفن كـخطر على النظام الاجتماعي في الخطاب الرسمي.
ان ما يقدمه الاستاذ/الطيب محمد الطيب عن الأنداية هو أكثر من توثيق لعادة شعبية؛ فهو تشريح للروح السودانية بتناقضاتها، المحافظة والمتسامحة، والمتدينة والعلمانية، والرسمية والتي تخالف واقعاً مختلفاً. فبقاء المريسة رغم كل محاولات الحظر والتجريم يؤكد أنها ليست مجرد مشروب، بل هي سلوك ثقافي مقاوم، وفضاء للحرية في مجتمع تعاقبت عليه أنظمة قمعية متعددة.
ربما تكون خلاصة كتاب (الأنداية) أن المريسة ليست مشكلة تحتاج إلى حل، بل هي واقع اجتماعي يحتاج إلى فهم، وأن محاولة إلغائها بالقوة هو ما ينتج مفارقات أكثر تعقيداً.