مؤتمر برلين… طوق النجاة أم الخذلان المؤجل؟

بقلم : مؤيد الأمين

كلما اشتد لهيب الحرب في السودان، يبحث الناس عن إسم جديد يعلّقون عليه الأمل. مبادرة، مؤتمر، وساطة… كلمات أصبحت جزءاً من يوميات السودانيين أكثر من مفردات السلام نفسه, واليوم يعود السؤال القديم بثوب جديد ( هل يمثل مؤتمر برلين فرصة حقيقية لإيقاف الحرب) أم مجرد محطة أخرى في سلسلة الوعود التي تذوب أمام صوت الرصاص؟

خلال الأعوام الماضية شهد السودان مبادرات متعددة من جولات التفاوض الإقليمية إلى المسارات الدولية , جميعها اصطدمت بحقيقة أساسية، الحرب في السودان ليست فقط مواجهة عسكرية بل صراع مصالح وسلطة وروايات إعلامية متنافسة. لذلك لم تفشل المبادرات بسبب نقص الأفكار، بل بسبب غياب الإرادة الملزمة للأطراف المتحاربة.

اللافت هذه المرة أن رفض مؤتمر برلين لم يأتِ من طرف واحد. الإعلام الإسلاموي  يسعى منذ بداية الحرب إلى نزع الشرعية عن أي مسار دولي يمكن أن يحدّ من استمرار القتال، لأن توقف الحرب يعني نهاية إمكانية إعادة إنتاج السلطة عبر الفوضى. لكن المفارقة أن إعلام الدعم السريع يقف في الخندق ذاته، رافضاً مخرجات المؤتمر قبل صدورها. هنا يظهر السؤال الحقيقي ، لماذا يرفض خصمان أي مبادرة في اللحظة نفسها؟

الإجابة الضمنية تكمن في أن السلام، إذا فُرض دولياً يهدد معادلة القوة الحالية للطرفين الحرب تمنح كل طرف مساحة سياسية وعسكرية لا يوفرها السلام  ولذلك يتحول الإعلام إلى سلاح موازٍ للبندقية  مهمته ليست إقناع الشعب بجدوى الحرب، بل إقناعه بأن السلام مستحيل أو مشبوه.

لكن هل يستطيع مؤتمر دولي كبرلين إيقاف حرب لا يريد أطرافها التوقف؟ التجارب المقارنة تشير إلى أن المؤتمرات لا تنهي الحروب وحدها. ما يوقف النزاعات عادة هو مزيج من ثلاثة عناصر ضغط دولي اقتصادي وسياسي حقيقي، توحيد الموقف المدني الداخلي، وآلية رقابة وتنفيذ تجعل كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة السلام.

المعضلة السودانية أن العامل الثالث ظل غائباً دائماً. الاتفاقات تُوقّع دون أدوات إلزام، فتتحول إلى بيانات حسن نوايا. لذلك فإن السؤال الأهم ليس ماذا سيخرج به مؤتمر برلين ؟ بل هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات عقابية واضحة؟ وهل تستطيع القوى المدنية خلق جبهة ضغط شعبية تجعل رفض السلام موقفاً مكلفاً سياسياً للطرفين؟

دموع السودانيين اليوم ليست بسبب غياب المبادرات، بل بسبب تكرار الأمل المكسور. فالشعب لا يحتاج إلى مؤتمر جديد بقدر ما يحتاج إلى ضمانة مختلفة إن كان برلين طوق نجاة فعلاً، فسيُقاس نجاحه بقدرته على تغيير ميزان الحسابات لدى المتحاربين، لا بعدد البيانات الصادرة عنه.

ويبقى السؤال المفتوح: هل نحن أمام بداية نهاية الحرب… أم أمام خذلان آخر يتعلم فيه السودانيون مرة جديدة كيف يدفنون أحلامهم بصمت؟

 

Exit mobile version