
بقلم : عثمان فضل الله
تشهد الساحتان الإقليمية والدولية في هذه اللحظة حراكاً متسارعاً ومحموماً لإعادة ترتيب المشهد السوداني، حراكاً لا تحكمه ـ في جوهره ـ أولويات الشعب السوداني ولا تطلعاته المشروعة في السلام والاستقرار والتحول الديمقراطي، بقدر ما تحركه حسابات النفوذ وموازين القوة ومخاوف الفراغ السياسي في بلد يحتل موقعاً بالغ الحساسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فـالسودان، الذي أنهكته الحرب، ومزقته الانقسامات، وأضعفته الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، بات أقرب إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موطئ قدمه في مستقبل البلاد، وحجز مقعد مبكر على طاولة التسوية القادمة.
ولم يعد السؤال المطروح في العواصم المؤثرة هو كيف يتعافى السودان، بل كيف سيُعاد تشكيله، ومن سيمسك بمفاتيح المرحلة المقبلة، ومن سيُستبعد من الصورة، ومن سيُعاد تدويره في هيئة جديدة. وبين هذه الأسئلة الثقيلة، يتراجع صوت السودانيين أنفسهم، أو يُستدعى حين يخدم سردية هذا الطرف أو ذاك.
اختبار هشاشة
في بورتسودان، المدينة التي تحولت بفعل الحرب إلى مركز السلطة والإدارة، انطلقت اجتماعات الكتلة الديمقراطية، وهي اجتماعات جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بينما تموج الكتلة بخلافات عميقة، وصراعات مكتومة، وتنافس حاد على المواقع والنفوذ والتمثيل. وعلى الرغم من العناوين المعلنة التي تتحدث عن التوافق ولمّ الشمل وتوحيد الرؤى، فإن ما يجري خلف الأبواب المغلقة يبدو أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
دخل قادة الكتلة إلى الاجتماعات وكل طرف يحمل ملفاً خاصاً، وحسابات لا يعلنها، وتحالفات مؤقتة قابلة للانقلاب في أي لحظة. بعضهم جاء ليمنع خصمه من التقدم، وبعضهم حضر ليحجز موقعاً مبكراً في ترتيبات ما بعد الحرب، وآخرون يسعون فقط إلى ألا يخرجوا من المشهد نهائياً. وفي السياسة السودانية، حيث الولاءات مرنة، والتحالفات سريعة التبدل، كثيراً ما يكون الابتسام على الطاولة مقدمة لطعنة مؤجلة خارجها.
ولهذا تبدو اجتماعات الكتلة الديمقراطية، رغم الضجيج المصاحب لها، أقرب إلى اختبار جديد للهشاشة البنيوية التي ظلت تلازم هذا التكوين منذ نشأته. فهي كتلة جمعت أطرافاً مختلفة المشارب والمصالح، أكثر مما جمعتها رؤية موحدة للدولة أو تصور واضح للانتقال السياسي. ولذلك فإن أي ضغط خارجي أو تنافس داخلي كفيل بإظهار الشروخ التي جرى إخفاؤها مؤقتاً تحت لافتة الضرورة السياسية.
ضربات متتالية
وفي الضفة الأخرى من المشهد، يتلقى التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” ضربات متتالية، قد لا تكون صاخبة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في بنيته الداخلية. فالتحالف، الذي حاول أن يقدم نفسه باعتباره مظلة مدنية واسعة قادرة على تمثيل قطاع معتبر من القوى المناهضة للحرب والداعية للحكم المدني، وجد نفسه في مواجهة ضغوط متزايدة من أطراف إقليمية تسعى إلى إعادة صياغته وفق تصوراتها ومصالحها.
وتعمل هذه الأطراف، بحسب ما يتردد في الأوساط السياسية، عبر أدوات متعددة: الاستقطاب الناعم، وفتح قنوات منفصلة مع بعض المكونات، وإبراز شخصيات على حساب أخرى، وإثارة التناقضات القديمة، وتغذية الشكوك المتبادلة بين القوى المتحالفة. وهي أدوات لا تحتاج إلى صدام مباشر، لأن القوى المدنية السودانية تحمل في داخلها أصلاً إرثاً ثقيلاً من الخلافات وسوء الظن والتنافس على الشرعية الثورية والسياسية.
وفي هذا السياق، برزت الرياض خلال الأسابيع الماضية بوصفها محطة جديدة للحراك السوداني. فقد شهدت العاصمة السعودية نشاطاً سياسياً لافتاً تمثل في وصول وفود من مكونات تحالف “صمود”، وسط تكتم شديد بشأن طبيعة اللقاءات، والجهات المشاركة فيها، والملفات التي طُرحت على الطاولة. وما زاد من أهمية هذه التحركات أن توقيتها جاء متزامناً مع شعور إقليمي متزايد بأن الحرب السودانية دخلت مرحلة استنزاف طويلة، وأن إدارة الأزمة لم تعد كافية، بل بات مطلوباً التفكير في شكل ما بعد الحرب.
وبحسب مصادر سياسية متطابقة، تناولت اللقاءات تطورات الأزمة الراهنة، وسيناريوهات المرحلة المقبلة، وإمكانات إعادة ترتيب المشهد السياسي بما يواكب موازين القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب. ووفقاً للمعلومات المتداولة، نال حزب الأمة القومي النصيب الأكبر من الحضور، إلى جانب وفود تمثل التجمع الاتحادي وحزب المؤتمر السوداني، في مؤشر على اهتمام خاص بإشراك القوى ذات الحضور التاريخي والتنظيمي في أي هندسة سياسية قادمة.
هذا التوزيع في الدعوات لم يمر مروراً عادياً. ففي السياسة، كثيراً ما تقول قوائم المدعوين ما لا تقوله البيانات الرسمية. وحين يُمنح حزب ما حضوراً أوسع، أو يُفتح الباب لشخصيات بعينها، أو يُتجاوز آخرون، فإن الرسالة تصل سريعاً إلى الجميع: ثمة من يجري فرزهم بوصفهم شركاء محتملين، وثمة من يُنظر إليهم باعتبارهم عبئاً أو عقبة.
أسئلة تفتح اسئلة
وتشير مصادر متعددة إلى أن اللقاءات انعقدت بسرية كاملة، وهو ما يعكس حساسية الملفات المطروحة. فالحرب المستمرة في السودان، وتعدد المبادرات الإقليمية والدولية، وتضارب أجندات اللاعبين المؤثرين، كلها عوامل تجعل أي حوار من هذا النوع محاطاً بكثير من الحذر. كما أن الأطراف المشاركة تدرك أن مجرد الظهور العلني في لقاءات مغلقة قد يثير أسئلة داخل قواعدها السياسية، أو يخلق انطباعات بأنها دخلت في ترتيبات غير معلنة.
وبحسب ما يتردد في دوائر المتابعة، فإن المملكة العربية السعودية تدرس طرح مشروع سياسي يقترب في ملامحه من المقاربة التي تدعمها مصر، والقائمة على إعادة تشكيل التحالفات السياسية، وتفكيك الاصطفافات القديمة، والدفع نحو إنتاج كتلة جديدة أكثر قدرة ـ من وجهة نظر داعميها ـ على التعامل مع المتغيرات الراهنة.
جوهر هذه الفكرة يقوم على أن البنية السياسية السودانية الحالية استُهلكت، وأن التحالفات التي نشأت بعد الثورة ثم تبدلت بعد الانقلاب ثم أعادت الحرب خلط أوراقها، لم تعد صالحة لإنتاج تسوية مستقرة. ولذلك فإن بعض العواصم المؤثرة باتت ترى أن الحل لا يكمن في جمع الأطراف القديمة نفسها حول الطاولة مرة أخرى، بل في إعادة ترتيبها، ودمج بعضها، وإقصاء بعضها، وصناعة مركز سياسي جديد.
لكن هذه المقاربة، رغم ما تبدو عليه من براغماتية، تنطوي على مخاطر كبيرة. فهي تتعامل مع الأزمة السودانية بوصفها أزمة هياكل وتحالفات فقط، بينما تتجاهل جذوراً أعمق تتعلق بطبيعة الدولة، وعلاقة المركز بالأقاليم، ودور المؤسسة العسكرية، والعدالة الانتقالية، والاقتصاد الريعي، ومسألة السلاح المتفلت، وغياب الثقة التاريخي بين المكونات الاجتماعية والسياسية.
فيمكن لأي وسيط أن يجمع عدداً من الأحزاب في قاعة فخمة، ويعلن ميلاد تحالف جديد باسم جديد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه خلق حلاً جديداً. كثير من التحالفات السودانية انهارت لأنها كانت ترتيبات فوقية لا أكثر، ولأنها نشأت استجابة لضغط اللحظة لا نتيجة توافق حقيقي حول مشروع وطني.
وبحسب أربعة مصادر سياسين تحدثت اليهم مطولا ، فإن نجاح أي مشروع من هذا النوع سيظل رهيناً بمدى قبول القوى السودانية المختلفة له، وقدرته على مخاطبة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بإعادة تدوير النخب نفسها في عبوات سياسية جديدة. كما أن موقف الأطراف العسكرية، وتوازنات الميدان، وتأثيرات الحرب على الأرض، ستظل عوامل حاسمة لا يمكن تجاوزها ببيانات حسن النوايا.
محاولات ولكن
وفي المجمل، تبدو الرياض وكأنها تتحول إلى ساحة جديدة لمحاولات كسر الجمود السوداني عبر مقاربة تقوم على إعادة رسم الخريطة السياسية بما يتناسب مع مرحلة ما بعد الحرب. غير أن الطريق إلى تسوية مستدامة لا يزال محفوفاً بالعقبات، لأن أي تسوية لا تقوم على توازن واقعي بين الداخل والخارج ستظل معرضة للانهيار عند أول اختبار.
ووفقا لاثنين من السياسيين القريبين بحسب تقديري من المشاورات السعودية، فإن المشروع السعودي يبدو في ظاهره حراكاً دبلوماسياً يهدف إلى مساعدة السودانيين على تجاوز محنتهم، لكنه في جوهره ـ وفق تقديرهم ـ ينطوي على محاولة لتفكيك تحالف “صمود”، بما يصب في مصلحة السلطة القائمة في بورتسودان، ويعزز من حضور المؤسسة العسكرية في مشهد ما بعد الحرب.
وتضيف المعلومات التي حصلت عليها أن بعض الأطراف المشاركة لمست وجود تحفظات تجاه أسماء مهمة وأحزاب بعينها داخل التحالف، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود الحياد. فبدلاً من التعامل مع “صمود” بوصفه تكتلاً سياسياً قائماً، جرى التواصل مع مكوناته فرادى، وكأن التحالف مجرد مظلة قابلة للتفكيك لا إطار تفاوضي يجب احترامه، وما يعضد ان الاتجاه السعودي يهدف الى تفكيك صمود هو ما طرحته على قيادات حزب الامة ” الواثق البرير، صديق الصادق، ود. مريم الصادق بالإضافة الى محمد المهدي حسن” والقاضي بخروج رئيس الحزب من تحالف تأسيس، وخروج الأمين العام من “صمود” وتوحيد الحزب مقابل دعم الحزب ليعلب دوره في الساحة السياسية.
وبهذا تكون الدعوات ليست مسألة بروتوكولية عابرة. ففي البيئات السياسية الهشة، يُعدّ شكل الدعوة، وترتيب المقاعد، ومن يُستقبل أولاً، ومن يُستبعد من الصورة، جزءاً من الرسائل السياسية الأساسية. وعندما تُخاطب الأحزاب منفردة، يشعر الجميع بأن هناك سعياً لإعادة تعريف الأوزان والأدوار من خارج المؤسسات القائمة.
واذا اخذنا في الاعتبار أن الدعوات وُجهت أحياناً لأفراد بصفاتهم الشخصية، لا عبر كياناتهم، فهذا نمط يفتح الباب أمام خلق قيادات موازية، أو منح شرعية لشخصيات بعينها، أو استخدام الطموحات الفردية والحزبية لتجاوز القرار الجماعي. وهي وصفة مألوفة في إدارة الانقسامات السياسية داخل كثير من البلدان الهشة
وبحسب من تحدثنا اليهم أن هذا الأسلوب يزرع حالة من عدم الثقة بين المكونات المدنية، في وقت تحتاج فيه هذه القوى إلى أكبر قدر من التماسك. فالقوى المدنية السودانية، المنهكة أصلاً بخلافات قديمة، تجد نفسها اليوم أمام معركة مزدوجة: الحفاظ على وحدتها من جهة، والتعامل مع ضغوط الخارج من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، يُنتظر أن يعقد تحالف “صمود” اجتماعاً مهماً خلال الأيام المقبلة لمناقشة هذه التحركات، وتأثيرها على وحدة الصف الداخلي، وآلية التعامل مع المبادرات المطروحة، والرد على ما يتردد بشأن تحفظات على بعض الأسماء والقوى السياسية داخله.
غير أن المشكلة لا تتعلق فقط بتحالف “صمود” أو الكتلة الديمقراطية، بل بطبيعة المشهد السوداني كله. فالحرب أعادت توزيع القوة، لكنها لم تنتج نظاماً جديداً بعد. والمؤسسة العسكرية لا تزال لاعباً مركزياً. والقوى المدنية لم تستطع حتى الآن بناء جبهة موحدة. والمجتمع الدولي منشغل بإدارة الأزمة أكثر من حلها. والإقليم ينظر إلى السودان من زاوية الأمن والنفوذ والممرات البحرية والهجرة وموازين القرن الأفريقي.
ومن هنا تتزايد المخاوف من أن تتحول المبادرات الخارجية إلى ساحات تنافس إقليمي، أكثر من كونها منصات لإنهاء الحرب. فكل طرف يريد ضمان نفوذه في المستقبل السوداني: هذا يدعم حلفاء سياسيين، وذاك يراهن على شبكات اقتصادية، وآخر يسعى إلى ترتيبات أمنية أو عسكرية تحفظ مصالحه.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن أي جهد خارجي قد يشكل فرصة إذا أُحسن توظيفه. فالسودانيون، حتى الآن، لم ينجحوا في إنتاج تسوية وطنية خالصة، لأسباب تتعلق بعمق الاستقطاب، وغياب الثقة، وهيمنة السلاح، وتعدد مراكز القرار. لكن نجاح أي دور خارجي يبقى مشروطاً بالشفافية، والحياد، واحترام الإرادة الوطنية، وعدم فرض قوائم قبول واستبعاد مسبقة.
فالتسويات التي تُبنى على الانتقائية قد تنجح مؤقتاً في جمع الناس حول طاولة واحدة، لكنها غالباً ما تفشل في بناء سلام دائم. لأن السلام الحقيقي لا يقوم على هندسة النخب فقط، بل على معالجة جذور الأزمة: الدولة المختطفة، والمركز المتضخم، والاقتصاد المنهوب، وغياب العدالة، وتسييس السلاح.
اختبار الرياض
لذلك تبدو الرياض اليوم أمام اختبار دقيق: هل تستطيع أن تقدم منصة حقيقية لتقريب السودانيين من بعضهم البعض، أم أن تحركاتها ستُقرأ باعتبارها محاولة لإعادة هندسة المشهد وفق حسابات سياسية محددة؟ وهل تنجح بورتسودان في استثمار هذه التحركات لتعزيز موقعها، أم أن التناقضات الداخلية ستفجر الاصطفافات من جديد؟ وهل تتمكن القوى المدنية من تجاوز حساسياتها وبناء جبهة مستقلة القرار، أم تستمر في الدوران داخل دوامة الرعاية الخارجية؟
بين هذه الأسئلة الثقيلة، يبقى السودان في أمسّ الحاجة إلى شيء أبسط وأكثر صعوبة في آن واحد: تسوية عادلة وشاملة، لا تستثني أحداً، ولا تقوم على تفكيك الخصوم وصناعة وكلاء جدد، بل على عقد وطني جديد يعيد تعريف السلطة والدولة والعلاقة بين السلاح والسياسة. وما لم يحدث ذلك، ستظل العواصم تتحرك، والوفود تسافر، والبيانات تصدر، بينما يبقى السودان معلقاً بين حرب لم تنتهِ، وسلام لم يولد بعد.