مقصلة الحق فوق رقاب اللصوص..تفكيك إمبراطورية الظلام وتجفيف منابع الحرب

بقلم : أحمد عثمان محمد المبارك

في اللحظة التي تتشابك فيها خيوط الأزمة السودانية وتزداد فيها حدة الصراع، جاء الموجز الصحفي للجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة الذي تم بثه يوم الجمعة 24 ابريل 2026 ليميط اللثام عن جبهة قتالية لا تقل ضراوة عن جبهات الميدان، وهي جبهة الاقتصاد والحق المسلوب. 

إن استمرار عمل هذه اللجنة من الخارج، رغم تعقيدات اللجوء والتهجير، يبعث برسالة قوية مفادها أن الحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم ولا بالبارود، وأن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة تجفيف منابع الموت التي غذت آلة الحرب لسنوات ومازالت من عرق السودانيين ومقدراتهم.

وبعد تصنيف تنظيم الإخوان المسلمين في السودان كجماعة إرهابية، اكتسبت اللجنة بعداً استراتيجياً جديداً، وهو تحول تجاوز التصنيف السياسي ليصبح مفتاحاً قانونياً دولياً يفتح أبواب البنوك والمؤسسات المالية العالمية الموصدة. هذا التصنيف يرفع عن الأموال المنهوبة صفة النزاع المدني في المحاكم ويضعها تحت طائلة قوانين مكافحة تمويل الإرهاب، مما يسهل على اللجنة التعاون مع منظمات دولية رفيعة المستوى مثل مبادرة استرداد الأصول المسروقة “ستار” (STAR) Stolen Asset Recovery Initiative التابعة للبنك الدولي، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. هذه المنظمات باتت اليوم ملزمة أخلاقياً وقانونياً بالاستجابة لطلبات تتبع الأصول السودانية المهربة، لأنها لم تعد مجرد أرصدة فاسدة، بل أصبحت وقوداً لعمليات تهدد السلم والأمن الإقليمي والدولي.

أما بالنسبة للذين يتساءلون بشكوك مشروعة حول جدوى عمل اللجنة من الخارج وهي لا تملك سلطة السيطرة الميدانية لتفكيك مفاصل النظام في الداخل حالياً، فإن الإجابة تكمن في طبيعة النظام الموازي الذي أنشأته الجماعة الإرهابية؛ فهذا النظام لم يرتكز يوماً على القواعد المحلية فحسب، بل اعتمد بشكل عضوي على شبكة معقدة من الاستثمارات والشركات العابرة للحدود التي تمثل المخزن الاستراتيجي لتمويل بقائه وتأمين كوادره. لذا فإن عمل اللجنة من الخارج اليوم يركز على تدمير هذا العمق الاستراتيجي، فالتفكيك في الداخل قد تعيقه آلة الحرب مؤقتاً، لكن التفكيك في الخارج هو الذي يحرم قادة النظام من خطة الهروب ومن القدرة على إدارة الصراع بالريموت كنترول عبر تدفقات السيولة الدولية. كما السيطرة الحقيقية في عصر العولمة لا تقاس فقط بالوجود المادي على الأرض، بل بالقدرة على خنق الموارد في الفضاء المالي العالمي، وهو ما تفعله اللجنة الآن عبر وضع اليد على الأصول التي ظن المخربون أنها بعيدة عن يد العدالة، وبذلك يتحول العمل بالخارج من مجرد بديل اضطراري إلى مقصلة قانونية تطوق عنق النظام من حيث لا يحتسب، ممهدةً الطريق لتفكيك ما تبقى في الداخل فور صمت مدافع الحرب.

ويبرز الأثر المباشر لهذا الجهد في قدرته على تقصير أمد الحرب الدائرة؛ فالحروب لا تُخاض بالشجاعة والخطابات فحسب، بل تُخاض قبل كل شيء بالمال الذي يشتري السلاح ويمول المرتزقة ويحرك الماكينات الإعلامية المضللة. وحين تنجح اللجنة في تضييق الخناق على شبكات تهريب الذهب وشركات الواجهة التي تديرها عناصر النظام البائد في عواصم العالم، فإنها بذلك تقطع حبل الوريد عن المحرك المالي للحرب، فاسترداد دولار واحد من هذه الأموال المنهوبة يعني حرمان المليشيات والقوى الظلامية من طلقة رصاص، كما يعني في المقابل خطوة نحو إعادة بناء ما دمرته المدافع، مما يجعل من عمل اللجنة ركيزة أساسية في أي مشروع للسلام المستدام.

وعلى الشعب السوداني اليوم  ان يدرك بوعي  إن كل مجهود تقوم به اللجنة لكشف حساب مخفي أو استرداد عقار مسجل بأسماء وهمية في الخارج، هو في جوهره عمل وطني يهدف لانتزاع لقمة العيش من أفواه من سرقوها ليعيدوها في شكل قذائف. إنها معركة وعي تتطلب من الجميع الصمود خلف هذه الجهود القانونية، وفهم أن الضغط الدولي عبر مجموعة العمل المالي (FATF)  Financial Action Task Force والإنتربول الدولي ليس تدخلاً، بل هو استرداد للسيادة المنهوبة. وفي نهاية المطاف، سيظل عمل هذه اللجنة هو الضمانة الأكبر لأن تؤول ثروات السودان إلى أهلها، لتكون معول بناء في سودان ما بعد الحرب، بدلاً من أن تظل رصيداً في بنوك المهجر يطيل أمد المعاناة والدمار.

Exit mobile version