
بقلم : إبراهيم بخيت
من حسن حظى انى قد ترافقت مع المرحوم العزيز الطيب محمد الطيب في العمل معا في مركز دراسة الفولكلور، وكذلك في السكن ببري اللاماب بالخرطوم. وكانت هذه الرفقة هي السبب في أننى كنت معه في طوافه حول مدن وقرى السودان في صدد توثيق العادات و التقاليد السودانية المجتمعية في مختلف ضروبها وتعدد مظانها، وكذلك شاركته في الاعداد لبرنامجه الشهير المتابع (صور شعبية) الذى حفل بالكثير والمثير من المعلومات والوثائق المكتوبة والحية حين استضافته لبعض الرموز والشخصيات الشعبية. والتي حفلت مداولاتها على العديد من المفارقات المضحكة والمحرجة في ذات الأوان التي لم يستطع مقص الأمن اللحاق بها ليس لجهله اوعجزه، وبل لأن البرنامج كان يبث مباشرة ومن ضمن الطرائف التي حفل المضحكة و المحرجة على سبيل المثال تلك التي استضاف فيها مفتش اللغة الإنجليزية الذى طاف المناطق التي كان بها معلمى اللغة الإنجليزية من الطلاب البريطانيين بالمدارس الثانوية. سأله الطيب بكل عفوية عن احسن المدن السودانية التي زارها واعجبته. فقال له المفتش دون تردد دنقلا. وليت الطيب اكتفى بالإجابة، ولكنه اردف مستوضحا، ما الذى اعجبك فيها؟ ودون تردد أيضا إجاب الخواجة، العرقى في دنقلا احسن عرقى. ولكم ان تتصوروا موقف الطيب في دولة يقشعر بدنها لسماع اسم الخمر وخاصة العرقى من خلال جهاز التلفزيون. كان هذا مدخل يسوق الى ذكر الحبيبة المريسة الما بتسأل عن ظروفنا (كويسة وللا بطالة) في هذه الحرب اللعينة وتبقى على حالها صامدة في وجه كل من يحاول الاقتراب من حياضها بسلاح القانون او بغيره من أنماط العسف الإداري والتنطع الدينى، تبقى المريسة خبزا وإداما وروح ورواح للفقراء وصغار الافندية. وهي المسكينة المظلومة تحسب مع الكبار وهى لا تتعدى نسبة الكحول فيها 6% فقط حتى وإن طالت مدة تخميرها، مقارنة بما يسمونها بالخمور صاحبة الجلد و الراس التي تتجاوز نسبة الكحول في بعضها ال 45، وهى تلك التي جعلت الخواجة يني يرقص ويغنى والأنصار على أبواب المدينة. اخونا يوسف الغوث اغاثنا بطواف تأريخى توظيفى اجتماعى ثقافى تجارى وافى مكتمل الأركان الا انه طفش عن اداته التحليلية التوثيقية، ليلج بابا في الفقه والتشريع ليدخل المريسة في خانة التحريم جورا حين يجزم ويقول (فالبرغم من أن تحريم الخمر قطعي في الإسلام) على الرغم من ان المحرمات في الإسلام نزل بها نصا قرآنيا واضحا لم يك بينها المريسة والخمر عموما حسب علمى. ولعله استند الى قولة الشاعر ود الرضى (من تعاطى المكروه عمدا غير شك يتعاطى الوُرّاب الحرام) وللمريسة ثلاث اطوار وانواع ودرجات من القوة والتلذذ والتأثير الثمن. منها الدرجة الأولى وتسمى الوِرِد (بكسر الواو والراء) يشرب في اليوم الثانى للتخمير والدرجة الثانية هي الكَرَفِين تشرب في اليوم الثانى للتخمير. ثم الوُرّاب وهواقل جودة ويشرب في باقى الأيام. ونحمد للكاتب الغوث ان ختم مقاله بما نتفق معه فيه حين كتب ( أن المريسة ليست مشكلة تحتاج إلى حل، بل هي واقع اجتماعي يحتاج إلى فهم، وأن محاولة إلغائها بالقوة هو ما ينتج مفارقات أكثر تعقيداً.