
الخرطوم/ أفق جديد
من تحت ركام الحرب، تولد أسواق جديدة في الخرطوم، حيث حملت عشرات النساء هواتفهن وتحولن إلى “سمسارة”، يدِرن وساطة الإيجارات والسيارات من غرف النزوح، بسبب ظروف الحرب والنزوح وانهيار مصادر الدخل التي دفعتهن إلى اقتحام سوقٍ ظل حكرًا على الرجال لعقود، وتُقدَّر حركته اليوم بمليارات الجنيهات.
وتقول غيداء عمر إنها أصيبت بالدهشة عندما كانت تبحث عن منزل صغير لأسرتها ووجدت أن الوسيط العقاري سيدة، فسألتها متعجبة: “هل تعملين سمسارة؟”، فردت عليها ضاحكة: “الحرب غيرت كل شيء”.
وتضيف غيداء إنها رغم مخاوفها الأولية، خيّبت السمسارة ظنها إذ وجدت لها منزلًا بالمواصفات التي طلبتها وبإيجار شهري في متناول يدها.
وتابعت لـ”أفق جديد” أن دخول النساء إلى مهن لم يشهدنها من قبل أمر إيجابي، موضحة أن “المرأة تعرف أحوال البيوت جيدًا، لذلك تحرص على أن يكون المنزل نظيفًا والجدران سليمة والحمامات بحالة جيدة، وتراعي وجود الأطفال.
ليست غيداء وحدها من النساء اللاتي دخلن مهنة السمسرة في الآونة الأخيرة، فهناك عشرات النساء ينشطن عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمجموعات المتخصصة في تأجير العقارات والسيارات.
الوضع المادي
وقالت سمسارة، فضلت حجب اسمها، لـ”أفق جديد” إن الوضع المادي هو ما دفعها إلى دخول سوق العمل بعد أن غادر أقاربها منازلهم إلى خارج البلاد.
وأضافت أنها بدأت العمل عندما كانت تبحث لصديقتها عن منزل، فتحدثت إلى أحد أقاربها لتأجير منزله في منطقة الثورات بأم درمان، فوافق ومنحها “عمولة”.
وتابعت: “بعد ذلك بادر عدد من أقاربي للتواصل معي لإيجاد مستأجرين يُؤتمنون على منازلهم، ومن هنا بدأ العمل وأصبحت أعرض المنازل عبر تطبيق فيسبوك”.
وأشارت إلى أن “البعض يستغرب والبعض يخاف، لكن الحمد لله سارت الأمور على ما يرام ولم أواجه أي مشكلة حتى الآن”.
عائد جيد
من جهتها، قالت سهام الضوء لـ”أفق جديد” إنها فقدت وظيفتها بسبب الحرب، ووجدت أن العمل في مجال السمسرة مريح من حيث الوقت ويمكن ممارسته من المنزل، مضيفة أن “العائد جيد” وأنها تلقى تعاونًا من الرجال العاملين في المجال ولم تواجه أي مضايقات.
وعلى الرغم من اتساع الرقعة الآمنة في البلاد، ارتفعت أسعار الإيجارات بصورة كبيرة، خاصة في محلية كرري التي أصبحت تعج بالحياة مع تحسن الخدمات والبيئة وزيادة أعداد المواطنين.
ارتفاع الأسعار
وقال السمسار إبراهيم عوض لـ”أفق جديد” إن أسعار الإيجارات شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الآونة الأخيرة، موضحًا أن أقل شقة مفروشة مكونة من غرفتين يبلغ إيجارها 600 ألف جنيه، في حين تكاد المنازل الأرضية تكون معدومة. وأضاف أن هناك جشعًا من بعض الملاك، إذ يشترط بعضهم الدفع بالدولار، بينما يطلب آخرون مقدم إيجار 6 أشهر.
وقال عبدالله آدم لـ”أفق جديد” إن أصحاب العقارات يستغلون زيادة الطلب وندرة المساكن لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، مما يفاقم معاناة المواطنين الذين فقدوا مصادر دخلهم.
وأكدت خديجة أبو زيد ارتفاع أسعار الإيجارات بشكل ملحوظ، موضحة أن إيجار المنزل الذي كان 200 ألف جنيه في السابق أصبح يتراوح حاليًا بين 300 و500 ألف جنيه. وأشارت إلى فرض ملاك العقارات شروطًا إضافية، مثل رفض التأجير للأسر الكبيرة أو لمن لديهم أطفال.
وأضافت: “وجدنا منزلًا، لكن صاحبه طلب 300 ألف جنيه شهريًا، بالإضافة إلى مقدم شهرين أي 600 ألف جنيه، و300 ألف جنيه أخرى للسمسار”، واصفة هذه الشروط بأنها “غير معقولة”.
السداد بالدولار
في المقابل، أرجع الخبير الاقتصادي د. محمد الناير ارتفاع أسعار العقارات في محلية كرري بأم درمان إلى بقائها خارج سيطرة قوات الدعم السريع، ما أدى إلى استقرار سكانها منذ ما قبل الحرب، إضافة إلى تزايد أعداد النازحين إليها، وهو ما انعكس على أسعار الإيجارات والعقارات بالارتفاع.
وأوضح أن الزيادة الكبيرة في الإيجارات تعود إلى اشتراط ملاك العقارات السداد بالدولار، تحوطًا من تراجع قيمة العملة الوطنية.
ودعا الناير ملاك العقارات إلى إعادة النظر في قيمة المقدمات المطلوبة مراعاة للظروف الاقتصادية الراهنة، وإلى تحديد إيجارات معقولة تحقق مصلحة الطرفين: المؤجر والمستأجر.
وقال: “ينبغي التعامل مع هذه القضية بجدية. فعلى الرغم من تضرر مناطق أخرى جراء الحرب، كان من المتوقع أن تنخفض الإيجارات في محلية الخرطوم عقب عودة الحكومة المركزية، لكن ما حدث هو العكس؛ إذ ظلت معظم الإيجارات مرتفعة، وبات بعض الملاك يطلبون السداد بالدولار ومقدمات غير متوقعة. كما كان يُتوقع انخفاض أسعار العقارات بدرجة كبيرة، وهو ما لم يتحقق”.
مهن أخرى
وحول ظاهرة دخول النساء في السودان إلى مهنة السمسرة، قال الخبير الاقتصادي محمد الناير إن وجود العنصر النسائي في هذه المهنة لا يتوافق مع توجه الدولة التي تسعى إلى تنظيم المهنة والتقليل منها حتى للرجال.
وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعي سهّلت عمليات الإيجار بشكل كبير، إذ يتم التواصل بين المالك والمستأجر مباشرة دون وسطاء، مشيرًا إلى أن السماسرة دخلوا هذه المنصات للحصول على عمولات.
ودعا الناير العاملين في السمسرة إلى الاتجاه نحو مهن أخرى منتجة بدلًا من هذه المهنة.
وأصبحت ظاهرة دخول النساء مجال “السمسرة” في السودان تتجاوز كونها استجابة مؤقتة لتداعيات الحرب، لتشكل مؤشرًا على تحول أعمق في بنية سوق العمل، حيث تفرض المرأة حضورها في مهن ظلت حكرًا على الرجال لعقود.
ويبقى التحدي: كيف يتحول هذا الحضور الطارئ إلى حق اقتصادي منظم يضمن دخلًا كريمًا للنساء، دون أن ينجرف السوق نحو فوضى العمولات والشروط المجحفة؟