
بورتسودان – أفق جديد
في مساء بورتسودان المثقل برطوبة البحر الأحمر وقلقه، كانت ردهات فندق مارينا تقول ما عجزت المنصة عن قوله، وجوه متجهمة، مجموعات صغيرة تتحدث همساً، هواتف لا تتوقف، وقيادات تدخل قاعة الاجتماع وتخرج منها على عجل. في الخارج مدينة لازالت تتعايش مع صفة العاصمة المؤقتة، وفي الداخل تحالف سياسي يحاول أن يقنع نفسه قبل الآخرين بأنه ما زال قائماً.
هكذا اختتمت الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية مؤتمرها التنظيمي الثاني؛ لا بانفراج سياسي، ولا بإعلان كبير، بل بصمت لافت، حتى ساعة متأخرة من ليل أمس لم يصدر بيان ختامي، ولم تظهر المنصات الرسمية للتحالف ما يشرح للرأي العام ماذا جرى، كما خلت صفحة الناطق الرسمي محمد زكريا – على غير المألوف – من أي إشارة تبدد الغموض وتنهي التكهنات وفي السياسة، أحياناً يكون الصمت أبلغ من البيانات.
كان المفترض بحسب منظموه أن يكون المؤتمر لحظة ترتيب بيت داخلي أنهكته الخلافات، ومحطة لإجازة الهيكلة الجديدة، وتجديد الشرعية التنظيمية لتحالف وُلد أصلاً من رحم المؤامرة، ثم وجد نفسه بعد الحرب في بيئة سياسية مختلفة تماماً. لكن ما حدث، بحسب إفادات مشاركين، أن المجتمعين اكتفوا بإجازة النظام الأساسي وتشكيل لجان، بينما ظلت القضية الجوهرية معلقة: من يقود هذا الجسم، وكيف يُدار، ولصالح أي مشروع سياسي؟
في التفاصيل، لم تكن معركة الهيكلة مجرد خلاف على أسماء أو مقاعد، بل كانت صراعاً مكتوماً على النفوذ، ظهر إلى السطح مع اعتراضات قادها التوم هجو وموسى هلال وآخرون، في مواجهة واقع يراه كثيرون داخل الكتلة قائماً على احتكار القرار بواسطة دائرة ضيقة تتحرك باسم التحالف أكثر مما تعبر عنه. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يخرج المؤتمر بلا حسم، لأن الخلاف في جوهره أكبر من أن يُحل بلجنة أو تصويت سريع.
الفجوة بين الورق والواقع
منذ تأسيسها، حملت الكتلة الديمقراطية تناقضاً بنيوياً واضحاً، فهي تحالف واسع في الورق، محدود التماسك في الواقع، تضم أحزاباً تقليدية، وحركات مسلحة، وشخصيات مستقلة، ومجموعات أهلية ومدنية، لكنها لم تنجح في تحويل هذا التنوع إلى مؤسسة سياسية مستقرة. ظل كل طرف يدخل إليها بما يملك: هذا بشرعية تاريخية، وذاك بثقل عسكري، وثالث بقربه من السلطة، ورابع بحضوره الإعلامي. أما المشروع الجامع، فبقي أقل وضوحاً من أسماء مكوناته.
في كواليس مارينا، كان ذلك التناقض حاضراً بقوة، حديث الوحدة على المنصة، وحديث الشكوك في الممرات، بعض المشاركين وصفوا الاجتماعات بأنها أقرب إلى عرض شكلي كلمات عامة عن التنسيق، ووعود بتطوير الأداء، وصورة جماعية مطلوبة، من دون قرارات مُلزمة أو جدول زمني أو رؤية تنفيذية. آخرون ذهبوا أبعد من ذلك، معتبرين أن الهدف الحقيقي لم يكن إصلاح الكتلة بقدر ما هو إعادة ضبطها استعداداً لدور سياسي قادم.
ذلك التقدير لم يأت من فراغ فبورتسودان نفسها أصبحت مركزاً لتقاطعات السياسة والحرب، ومقراً لسلطة تبحث عن حزام مدني يخفف عزلتها ويمنح أي تسوية مقبلة غطاءً أوسع، ومن داخل الكتلة من يعتقد أن المؤتمر جاء في هذا سياق ترتيب جسم سياسي يمكن الدفع به في مسارات حوار مطروحة، من قبل كامل إدريس ونور الدين ساتي، وبعضها لا يزال في طور الجسّ السياسي أكثر من التفاوض الفعلي.
هنا تحديداً يتسع الشرخ داخل التحالف. فثمة من يرى الكتلة منصة تفاوض يجب الحفاظ عليها بأي ثمن، وثمة من يراها مجرد مظلة استُخدمت أكثر مما أثّرت، وفقدت قدرتها على لعب دور مستقل، وبين الرأيين تقف قيادات تعرف أن وزنها الحقيقي ليس في التحالف ذاته، بل فيما تمثله خارجه.
عمد بلا اطيان
وفي خضم ذلك، يذهب قيادي بارز في أحد الأحزاب المنضوية تحت لواء الكتلة إلى قراءة أكثر تشاؤماً لما جرى في بورتسودان، إذ يرى أن الهدف غير المعلن من الاجتماع ربما لم يكن ترتيب البيت الداخلي بقدر ما هو التمهيد لمسار حوار سياسي تريده بورتسودان ليخرجها من عزلتها التي باتت محكمة بعد مؤتمر برلين. وبحسب تقديره، فإن المطلوب من المؤتمر كان توفير غطاء سياسي لذلك المسار، لإضفاء قدر من الشرعية عليه داخلياً وخارجياً، بما يمنح السلطة القائمة في بورتسودان حزاماً مدنياً تحتاجه في هذه المرحلة الدقيقة. ويضيف أن الحكومة تبدو حريصة على أن تلعب الكتلة دور “المحلل السياسي” لسلسلة تسويات جديدة تُبقي للنظام القديم امتيازاته وشبكات نفوذه وسيطرته على مفاصل الدولة والمؤسسة العسكرية، من دون أن تمس جذور الأزمة أو تفتح الطريق لتحول حقيقي، ولذلك، في نظره، لم يكن المؤتمر سوى محاولة أخرى لإعادة إنتاج المأزق السوداني في صيغة جديدة، عبر تبديل الواجهات والإبقاء على البنية ذاتها.
ويمضي القيادي نفسه إلى ما هو أبعد من نقد المؤتمر، ليطعن في قابلية الكتلة ذاتها للاستمرار كفاعل سياسي مؤثر. فبحسب رؤيته، ارتبط اسم التحالف لدى قطاع واسع من الرأي العام بالفساد والانتهازية السياسية، لا سيما في ما يتصل ببعض مكونات اتفاق جوبا، وهو ما أضعف تماسكه الداخلي وأفقده القدرة على التطور إلى جسم سياسي مستقر. ويقول إن الكتلة لا تستند إلى قواعد جماهيرية حقيقية، ولا إلى قيادة راسخة ذات مشروعية متفق عليها، وإن كثيراً من الشخصيات المنضوية تحت مظلتها – مثل نبيل أديب والتوم هجو ومبارك أردول – تتحرك بأوزانها الفردية أكثر مما تمثل مؤسسات سياسية ذات امتداد جماهيري، وفي تقديره، فإن هذا الواقع جعل الكتلة أبعد ما تكون عن تشكيل مركز ثقل قادر على فرض رؤية موحدة أو إنتاج قيادة مستقرة، قبل أن يختصر حكمه القاسي بعبارة لافتة: إنها “جسد بلا روح”، وتجمع “عُمَد من غير أطيان”؛ أسماء بلا قواعد، وسقف بلا أعمدة حقيقية.
ثقل اثنين وتهميش ثالث
ظل الصراع الأكثر تأثيراً داخل الكتلة يدور حول محورين لا يحتاجان إلى إعلان رسمي جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي. الرجلان يمثلان الثقل الأوضح من حيث النفوذ والموارد والقدرة على الحركة، وكل نقاش تنظيمي داخل الكتلة يُقرأ، عاجلاً أو آجلاً، من زاوية علاقتهما ببعضهما وبقية المكونات، وعندما تضعف المؤسسات، تصبح السياسة لعبة أفراد أكثر من كونها تنافس برامج، بينما ظل صاحب الحزب الأكبر في الكتلة جعفر الميرغني مكتفيا فقط برئاسة شرفية دونما تاثير حقيقي داخل التحالف.
المؤتمر لم ينهِ هذا الواقع، بل كشفه. فالهيكلة التي كان يُفترض أن تُعيد توزيع الأدوار بدت عصية على الإجازة، لأن أي تعديل حقيقي يعني المساس بتوازنات حساسة ولهذا انتهى الأمر إلى ما يشبه الحل السوداني التقليدي تمرير ما يمكن تمريره، وتأجيل ما لا يمكن حسمه.
وثيقة فضفاضة
حتى النظام الأساسي الذي أُجيز، لم يُقرأ داخل القاعة بوصفه نهاية خلاف، بل بداية خلافات مؤجلة، فالوثيقة، بحسب مطلعين، بدت غنية بالمبادئ العامة وفقيرة في التفاصيل الحاسمة، تحدثت عن الشراكة والتنوع والقيادة الجماعية، لكنها تركت أسئلة جوهرية بلا إجابة واضحة من يمثل من؟ كيف تُتخذ القرارات؟ من يحاسب القيادة؟ كيف تُحسم النزاعات؟ ومن يملك الكلمة الأخيرة عند تضارب المصالح؟
في تحالف يقوم أصلاً على تعدد المراكز، ليست هذه أسئلة فنية. إنها أسئلة وجود
وهنا تظهر أزمة الكتلة في صورتها الأوضح: بينما السودان غارق في حرب تعيد تشكيل الدولة والمجتمع، ما تزال قوى داخله أسيرة معاركها الصغيرة. بينما الشارع يسأل عن الأمن والخبز والعودة والسلام، ينشغل بعض السياسيين بمن يتصدر المنصة ومن يوقّع البيان.
لهذا تراجعت صورة الكتلة في المجال العام. لم تعد تُرى باعتبارها جبهة تحمل مشروعاً وطنياً واضحاً، بل كتحالف مثقل بصراعات المواقع، ومشدود إلى إرث اتفاق جوبا أكثر من شدّه إلى المستقبل. وقد يكون في هذا الحكم شيء من القسوة، لكنه أصبح جزءاً من المزاج السياسي العام، والمزاج العام كثيراً ما يسبق الحقائق في تقرير المصائر.
انذار سياسي
ما حدث في مارينا ليس تفصيلاً تنظيمياً، إنه إنذار سياسي فالتحالف الذي نشأ لموازنة خصومه، يجد نفسه اليوم مطالباً أولاً بموازنة تناقضاته الداخلية، وإذا عجز عن إدارة خلافاته وهو في هذه المرحلة، فكيف سيدير استحقاقات أكبر في مرحلة تسوية وطنية معقدة؟
في الجلسة الختامية للمؤتمر، بدا المشهد أقرب إلى “خطاب استعراض” منه إلى لحظة تقييم سياسي جاد. كلمات مُعدة بعناية، عبارات كبيرة عن الدولة، الديمقراطية، والانتخابات، لكن تحت هذا الوهج اللغوي ظل السؤال الأساسي معلقاً: هل يملك هذا التحالف فعلاً القدرة على ترجمة هذه الشعارات إلى بنية سياسية قابلة للحياة؟؟.
هشاشة وتناقض
هذا التناقض لم يغب عن مداخلة نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، الذي بدا في خطابه كمن يضع مرآة قاسية أمام المجتمعين أكثر مما يشارك في احتفائهم. أشار إلى أن وجود 19 حزباً فقط من أصل أكثر من 100 كيان سياسي في البلاد يكشف حجم الهشاشة في بنية التمثيل الحزبي، وأن ما يُقدم بوصفه تعددية سياسية ما يزال في حاجة إلى “إدارة حقيقية” قبل أن يتحول إلى نظام فاعل. وبلهجة لا تخلو من نقد مبطن، تحدث عن “أحزاب أنبوبية التوليد”، وعن تنوع سياسي واسع لكنه غير منظم، يحتاج إلى ما هو أكثر من المؤتمرات والخطابات ليصبح قوة سياسية حقيقية.
الأهم في خطاب عقار لم يكن فقط تشخيصه لحالة التشتت الحزبي، بل إشارته إلى أن التجربة السياسية برمتها ما تزال تدور في حلقة مفرغة، وأن الحديث عن الديمقراطية في بيئة لم تُحسم فيها حتى أبسط أسئلة التنظيم السياسي، يظل أقرب إلى الترف النظري. ومن موقعه كقائد سابق لحركة مسلحة، لم يتردد في الاعتراف بأن البلاد “ماشة غلط”، في إشارة تلخص أزمة أوسع من الكتلة الديمقراطية نفسها، لكنها تنعكس فيها بوضوح شديد.
مثالية دون الية
في المقابل، جاء خطاب رئيس الكتلة جعفر الميرغني محملاً بلغة مثالية عن الدولة المنشودة: دولة القانون، والمؤسسات، والجيش القومي، والقضاء العادل، والمساواة بين المواطنين. خطاب يستدعي صورة الدولة أكثر مما يشرح كيف يمكن الوصول إليها. وبين الدعوة للانتخابات وفتح الأبواب أمام الجميع، بدا الخطاب وكأنه يحاول تثبيت فكرة وجود مشروع جامع، في وقت تشير فيه الوقائع إلى تباين عميق داخل هذا “الجامع” نفسه.
لكن المفارقة أن هذا الخطاب، رغم قوته البلاغية، اصطدم بسؤال الواقع الذي لم يغادر القاعة: كيف يمكن لتحالف لم يحسم بنيته الداخلية، ولم يستقر على قيادة واضحة أو آليات قرار صارمة، أن يقدم نفسه كرافعة لمشروع ديمقراطي واسع؟ هنا تحديداً يتبدى الفارق بين “خطاب الدولة” و”واقع التنظيم”.
أما عضو مجلس السيادة ورئيس حركة جيش تحرير السودان – المجلس الانتقالي صلاح رصاص، فقد أعاد تثبيت البعد التقليدي في خطاب الكتلة، عبر التأكيد على دعم القوات المسلحة ومواصلة ما وصفه بالتصدي للمؤامرات، إلى جانب الإشارة إلى الانفتاح على كل من يؤمن بدستور الكتلة. وهو خطاب يعكس استمرار المزج بين السياسي والعسكري داخل بنية التحالف، بما يعيد إنتاج نفس المعادلة التي ظلت تعيق تحوله إلى كيان مدني صرف.
وفي المجمل، بدت الجلسة الختامية وكأنها مشهد مكثف لأزمة الكتلة الديمقراطية: لغة سياسية عالية السقف، حضور رسمي لافت، لكن بنية تنظيمية ما تزال تعاني من التشتت، وقيادة تبحث عن توازنات أكثر مما تصنع قرارات، وتحالف يحاول أن يظهر كجسم موحد بينما تفضحه التناقضات عند كل منعطف.
ولذلك، فإن ما بدا في القاعة كـ“تمرين ديمقراطي” وفق توصيف أحد المتحدثين، لم يكن سوى انعكاس لحقيقة أعمق: أن التحالف ما زال في مرحلة اختبار وجوده قبل أن يكون في مرحلة صناعة مشروعه.
ظهر امس، خرج المجتمعون من الفندق، كلٌ يحمل روايته الخاصة عما جرى. بعضهم تحدث عن نجاح معقول، وآخرون عن فرصة ضائعة، وغيرهم عن بداية مراجعة ضرورية. لكن الحقيقة ربما كانت في المشهد نفسه: قاعة أُطفئت أنوارها من دون بيان، وتحالف غادر مؤتمره كما دخله… بأسئلة أكثر من الإجابات.