العودة إلى الخرطوم.. حين تسبق الأقدام الخدمات

أفق جديد

في ظل تزايد أعداد العائدين إلى الخرطوم بعد سنوات طويلة من النزوح، تتكشف صورة معقدة لمدينة تحاول النهوض من آثار حرب أنهكت بنيتها التحتية وأثقلت كاهل سكانها؛ فبين رغبة الناس في استعادة حياتهم الطبيعية وواقع الخدمات المتدهورة يجد العائدون أنفسهم في مواجهة تحديات يومية تمس أساسيات العيش الكريم.

في أطراف العاصمة وداخل أحيائها تتكرر مشاهد العائلات العائدة وهي تحمل ما تبقى من ممتلكاتها منازل نصف مهدمة شوارع تفتقر للخدمات، وأحياء تفتقد إلى الحد الأدنى من الاستقرار.

حذّرت المنظمة الدولية للهجرة، في 21 أبريل الجاري من عدم استدامة استقرار 4 ملايين شخص عادوا إلى ديارهم، في حال عدم إعادة بناء البنية التحتية وإنعاش سبل كسب العيش.

وعاد قرابة 4 ملايين سوداني إلى ديارهم من أصل 11.5 مليون شخص فرّوا من منازلهم بعد اندلاع النزاع قبل ثلاث سنوات، حيث ارتبطت العودة باستعادة الجيش سيطرته على ولايات سنار والجزيرة والخرطوم.

نقص الخدمات

يقول أحمد عبد المطلب وهو أحد العائدين في حديثه لـ”أفق جديد”: “رجعنا على أمل نلقى وضع أحسن لكن لقينا البيت متضرر، وما في كهرباء ولا مياه مستقرة”.

تشير إفادات مواطنين إلى أن تزايد أعداد العائدين فرض ضغطًا إضافيًا على بنية تحتية تضررت بالفعل جراء القتال، انقطاعات طويلة للمياه واعتماد متزايد على مصادر غير آمنة، وإمداد غير مستقر يؤثر على الحياة اليومية والخدمات الأخرى ونقص في الكوادر والإمدادات، وتراجع في القدرة الاستيعابية، دمار جزئي أو كلي في العديد من المنازل، ما يضطر بعض الأسر للسكن المشترك أو المؤقت.

وذكرت المنظمة أن تزايد أعداد العائدين إلى الخرطوم يفرض ضغوطًا إضافية على البنية التحتية الحضرية التي تضررت بالفعل جراء القتال حيث لا تزال أنظمة المياه وشبكات الكهرباء والمرافق الصحية والمساكن متأثرة بشكل كبي ما يعقد جهود استعادة الخدمات الأساسية.

وأفادت بأن العائدين إلى الجزيرة يواجهون أنظمة ومعدات متضررة، مما يهدد سبل كسب العيش وإنتاج الغذاء في لحظة حاسمة من التعافي، في ظل انعدام الأمن الغذائي والاضطرابات الاقتصادية.

تقول إحدى الأمهات في حديثها لـ”أفق جديد”: “أكبر معاناة لينا هي الماء، بنمشي مسافات عشان نجيبها، والأطفال تعبوا من الوضع”.

ضغط كبير

وقال البيان إن هذه التحديات تؤثر على العائدين والنازحين والمجتمعات المستضيفة على حد سواء، حيث يضغط تنقل السكان بين مناطق النزوح والعبور والعودة على الخدمات وسبل العيش والتماسك الاجتماعي.

وعاد 1.8 مليون شخص إلى الخرطوم و1.1 مليون إلى الجزيرة. وأوضح البيان أن تواصل أنماط النزوح والعودة التلقائية المتغيرة يعيد تشكيل المجتمعات، مع فرض ضغوط على أنظمة تعاني أصلًا من الضعف.

وأشار إلى أن ولايات شرق وشمال السودان أصبحت مناطق استقبال حيوية، حيث استضافت نازحين داخليًا ومهاجرين، فيما يؤدي تدفق السكان النازحين إلى ضغط مستمر على الخدمات والموارد في المجتمعات المستضيفة.

وأكد البيان أن هذه المجتمعات تستضيف النازحين رغم أن الكثير منها يواجه صعوبات اقتصادية وتحديات مرتبطة بالمناخ، كما أن الأنظمة الصحية، والبنية التحتية للمياه، وخدمات الحماية، وفرص كسب العيش فيها ترزح تحت ضغط كبير.

وقالت نائبة المدير العام للإدارة والإصلاح في المنظمة، سونغ آه لي، خلال زيارتها إلى السودان، إن بالنسبة لكثير من الناس، يفترض أن تمثل العودة إلى الوطن بداية التعافي، لكن في كثير من الأحيان تعني مواجهة خدمات مدمرة، ومنازل متضررة، وحالة جديدة من عدم اليقين”.

وأضافت: “يحتاج الناس إلى الوصول إلى الخدمات الأساسية وسكن آمن ووسائل لاستعادة سبل عيشهم؛ ومن دون هذا الدعم تصبح العودة الآمنة والكريمة أكثر صعوبة في الاستمرار”. 

وأفادت بأن المنظمة الدولية للهجرة تعمل على مساعدة المجتمعات في الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى التعافي والاستقرار والسلام طويل الأمد.

هشاشة مضاعفة

في ظل هذه الظروف تبدو المرافق الصحية غير قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة بعض المراكز تعمل جزئيًا وأخرى خارج الخدمة. يعلق خالد عابدين بالقول: “لو في حالة طارئة، بتكون مشكلة كبيرة، أقرب مركز صحي ممكن ما يكون فيه علاج أو حتى طبيب”.

وقالت المنظمة إن “الكثير من قرابة 4 ملايين شخص عادوا طوعًا يأملون في إعادة بناء حياتهم، لكن دون استثمارات عاجلة لإعادة الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية، وإنعاش سبل كسب العيش فإن هذه العودة قد تصبح غير مستدامة”.

وأشارت إلى أن العودة تركزت بصورة كبيرة في الخرطوم والجزيرة بسبب تحسن الوضع الأمني، والضغوط الاقتصادية ولم شمل الأسر ومحدودية الخدمات في مواقع النزوح، إضافة إلى التحديات المتزايدة التي يواجهها السودانيون في الدول المجاورة.

رغم التحديات يحاول السكان التكيف مع الواقع الجديد، مبادرات مجتمعية محدودة ظهرت لتقاسم الموارد وتنظيم الحصول على المياه، لكن هذه الجهود تبقى دون مستوى الحاجة. يقول شاب عاد مؤخرًا لـ”أفق جديد”: “نحاول نتعاون مع الجيران، لكن الضغط كبير، والخدمات ما كفاية لكل الناس”.

وأضاف: “على الرغم من قسوة الظروف يظل قرار العودة بالنسبة لكثيرين خيارًا لا بديل عنه. رجوعنا كان ضروري مهما كان الوضع صعب، دي بلدنا ولازم نحاول نعيش فيها”.

غير أن استمرار تدهور الخدمات يهدد بتحويل هذا الأمل إلى معاناة طويلة الأمد خاصة في ظل غياب حلول سريعة لإعادة تأهيل البنية التحتية.

تجسد عودة المواطنين إلى الخرطوم مفارقة قاسية، مدينة تستقبل أهلها لكنها غير مهيأة لاحتضانهم؛ وبين أنقاض المنازل وضعف الخدمات تتشكل يوميات جديدة عنوانها الصبر والتكيف، فيما تبقى الحاجة ملحة لتدخلات عاجلة تعيد للمدينة مقومات الحياة الأساسية وتحفظ كرامة من اختاروا العودة رغم كل شيء.

 

Exit mobile version