بين الحرب وسوء الإدارة..من قتل العملة الوطنية 

حيدر المكاشفي

بقلم : حيدر المكاشفي 

مع حكومة الأمر الواقع باتت أزمات السودان تُدار بالتصريحات لا بالحلول، ولم يعد انهيار العملة خبراً اقتصادياً بقدر ما أصبح روتيناً يومياً، مثله مثل انقطاع الكهرباء أو طوابير الخبز. الدولار اليوم يتجاوز حاجز الأربعة آلاف جنيه، والجنيه السوداني يواصل رحلة السقوط وكأنه بلا قاع، بينما تقف السلطة موقف المتفرج الذي يكتفي بهز رأسه أسفاً ثم يمضي. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تدهور في سعر الصرف، بل انهيار كامل في معنى الدولة نفسها. فحين يصبح السوق الموازي هو الحاكم الفعلي، والبنك المركزي مجرد شاهد زور على ما يجري، فإننا لا نتحدث عن أزمة إقتصادية عابرة بل عن غياب إرادة سياسية لإدارة الاقتصاد من الأساس كل المؤشرات تقول إن الأزمة ليست مفاجئة ولا غامضة. الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 إلتهمت ما تبقى من الاقتصاد، عجلة الإنتاج شبه متوقفة، الصادرات تتراجع، والواردات تتضخم. والنتيجة الطبيعية طلب متزايد على العملات الأجنبية، يقابله شح في الموارد، فتكون النتيجة انهياراً متسارعاً للعملة الوطنية. هذا ليس علماً معقداً، بل بديهيات يعرفها طلاب السنة الأولى في الاقتصاد، لكن يبدو أنها لا تصل إلى مكاتب صناع القرار. الأكثر إثارة للسخرية أن السلطات جربت كل الوصفات الفاشلة الممكنة، من استبدال العملة إلى سحب السيولة، وكأن المشكلة في الأوراق لا في السياسات. وكأن الجنيه انهار لأنه لم يُطبع بشكل أنيق، لا لأنه بلا غطاء اقتصادي حقيقي. النتيجة لا استقرار تحقق، ولا مضاربات توقفت، بل زاد الطين بلة واتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى أكثر من ألف جنيه. أما البنوك فقد اختارت أن تعيش في عالم موازٍ خاص بها، تُثبت أسعارها كأن شيئاً لم يحدث، بينما السوق الحقيقي يركض بسرعة جنونية في اتجاه آخر. هذا مشهد عبثي دولة بسعرين، واقتصاد بوجهين، ومواطن يدفع الفاتورة في كل الأحوال وفي الخلفية تواصل الحكومة بكل برود تحسد عليه طلب العملات الأجنبية لتمويل احتياجاتها، مزاحمةً القطاع الخاص والمواطنين في سوق يعاني أصلاً من الندرة. إنها مفارقة تستحق التأمل، فالسلطة التي فشلت في توفير النقد الأجنبي تنافس شعبها عليه فتأمل. النتيجة النهائية لا تحتاج إلى محلل اقتصادي، أسعار تشتعل، قدرة شرائية تتآكل، وفاتورة معيشة تتحول إلى كابوس يومي. ومع كل ارتفاع جديد للدولار، يتبخر جزء جديد من حياة الناس، بينما الخطاب الرسمي لا يزال يتحدث عن (معالجات) و(إجراءات) لا يرى أحد أثرها إلا في مزيد من التدهور.. المشكلة الحقيقية ليست في الدولار الذي وصل إلى أربعة آلاف جنيه، بل في عقلية إدارة الأزمة. فاقتصاد يُدار بعقلية أمنية وقرارات تُتخذ كردود أفعال وحرب تُقدَّم على كل ما عداها، لن ينتج بالضرورة إلا هذا المشهد الكارثي. باختصار الجنيه لم يسقط وحده. سقطت معه السياسات وسقطت معه المصداقية وربما وهو الأخطر سقط الإحساس بالمسؤولية. ويبقى السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عليه، إلى كم يجب أن يصل الدولار حتى تعترف السلطة أن المشكلة ليست في السوق بل فيها.. 

وحول هذه الازمة استطلعت آراء بعض الاصدقاء خبراء في الاقتصاد والادارة المالية، قال لي الخبير الاقتصادي إن تدهور سعر الصرف ليس أزمة نقد أجنبي فقط، بل نتيجة مباشرة لانهيار الإنتاج وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة. وأي محاولة للعلاج دون معالجة هذين العاملين هي مجرد تأجيل للأزمة. وهنا تحديداً تكمن الكارثة فالإنتاج متوقف، والثقة معدومة، بينما الحلول المطروحة تدور في نفس الحلقة المفرغة. الحرب لم تدمّر البنية التحتية فقط، بل دمرت الثقة نفسها، الثقة في السوق، في البنوك، وفي المستقبل. ومع غياب الاستقرار، يتحول أي نشاط اقتصادي إلى مغامرة خاسرة، فيتجه الجميع إلى ملاذ واحد هو العملات الأجنبية. وهكذا يرتفع الطلب، ويواصل الجنيه هبوطه الحر بلا سقف. ورغم ذلك تصر السلطات على إعادة تدوير نفس (الوصفات الفاشلة)، استبدال عملة، سحب سيولة، إجراءات شكلية لا تمس جوهر الأزمة. وكأن المشكلة في الأوراق النقدية لا في غياب الاقتصاد الحقيقي. النتيجة لا استقرار تحقق، ولا مضاربات توقفت، بل اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى أكثر من ألف جنيه. وافادني خبير مصرفي سابق قائلاً إن الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والموازي تعني عملياً أن السياسة النقدية فقدت فعاليتها، وأن السوق هو من يحدد قيمة العملة، لا البنك المركزي. بمعنى أبسط ان الدولة رفعت يدها، والسوق استلم القيادة. أما البنوك فقد اختارت أن تعيش في عالم موازٍ خاص بها، تُثبت أسعارها كأن شيئاً لم يحدث، بينما الواقع يركض في اتجاه آخر. مشهد عبثي دولة بسعرين، واقتصاد بوجهين، ومواطن يدفع الفاتورة في كل الأحوال. الأكثر إثارة للسخرية أن الحكومة نفسها تنافس المواطنين في سوق النقد الأجنبي الذي فشلت في تنظيمه. وحول ذلك يقول محلل مالي إن استمرار الحكومة في طلب النقد الأجنبي من السوق نفسه يخلق حلقة مفرغة، ترفع الأسعار وتعمّق الأزمة. أي أننا أمام سلطة تغذي الأزمة التي تشكو منها. ومع اتساع السوق الموازي، لم يعد الأمر مجرد ظاهرة جانبية، بل أصبح هو الاقتصاد الحقيقي، بينما تراجعت القنوات الرسمية إلى الهامش. وهذا ليس انحرافاً طارئاً، بل نتيجة طبيعية لسياسات فاقدة للمصداقية، تدفع النشاط الاقتصادي خارج سيطرة الدولة. المشكلة لم تعد في ارتفاع الدولار، بل في اعتياد السلطة على هذا الارتفاع. أخطر ما في الأزمة ليس الانهيار نفسه، بل تحوله إلى وضع طبيعي. فالاقتصاد لا ينهار فجأة بل يُدار حتى ينهار. النتيجة لا تحتاج إلى شرح، أسعار تشتعل، قدرة شرائية تتآكل، ورواتب تتحول إلى أرقام بلا معنى. ومع كل قفزة جديدة للدولار، يتبخر جزء جديد من حياة الناس، بينما الخطاب الرسمي لا يزال يتحدث عن (معالجات) لا يرى أحد أثرها. في النهاية، لا يحتاج السودانيون إلى تقارير ليعرفوا أن عملتهم تنهار، هم يرون ذلك يومياً في الأسواق. ما يحتاجونه هو إجابة واحدة صادقة، هل هناك من يملك خطة حقيقية، أم أن إدارة الاقتصاد تُترك كما يبدو لقانون الفوضى، لأن ما يحدث الآن لا يشبه أزمة عابرة، بل إعادة تعريف قاسية لمعنى الدولة حيث لا تملك السلطة سوى مراقبة الانهيار  والتعليق عليه..

 

Exit mobile version