السودان.. نساء في مواجهة العطش.. أزمة مياه الشرب في الأُبيِّض والنهود.. رحلة الماء والمخاطرة اليومية


حسام حامد
Hosssam4H@gmail.com

يواجه إقليم كردفان، غرب السودان، أزمة مياه حادة نتيجة أسباب جغرافية ومناخية في ضوء بعد المسافة عن نهر النيل الذي يغذي السودان بالمياه العذبة، وفي ظل مشاكل في الطاقة والاعتماد على الآبار الجوفية فإن الحصول على مياه الشرب لا يُعتبر مسألة خدمية عادية وحسب، بل تحوّل إلى معركة يومية يخوضها المدنيون، بخاصةً النساء، في ظل الحرب التي اندلعت في البلاد منذ أبريل 2023 وما تبعها من انهيار واسع في البنية التحتيَّة للخدمات الأساسية.

وتبرز مدينتي الأُبيِّض والنهود أنموذجاً واضحاً لأزمة المياه المتفاقمة في السودان، إذ تتقاطع عوامل الحرب والنزوح وتعطل شبكات الإمداد مع أدوار اجتماعية تقليدية تتحمل النساء عبئها الأكبر، إذّ تقع على عاتقهن مهمة جلب المياه والطهو وإدارة الحياة اليومية داخل الأُسر.

“الأُبيِّض”.. نصف الاحتياج فقط

تواجه مدينة الأُبيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، أزمة مياه حادة بسبب تعطل معظم مصادر الإمداد نتيجة الحرب. ويقدر مسؤول هيئة المياه بالمدينة “الاتاسي عيسى”، في حديث لقناة الجزيرة، أن الاحتياج اليومي للمياه يصل إلى نحو 70 ألف متر مكعب، بينما الإنتاج الحالي يقف عند 35 ألف متر مكعب فقط، أي حوالي نصف الحاجة.

ومنذ اندلاع القتال في غرب السودان، توافد نحو مليون نازح إلى المدينة، مما أدى إلى انقطاع المياه عن العديد من الأحياء واعتماد السكان على مصادر بديلة كالآبار المحلية وشراء المياه بالصهاريج.

وتفاقمت الأزمة بعد توقف بعض المصادر الشمالية للمياه، بخاصة الآبار ومحطات الضخ المتأثرة بالمعارك في إقليم كردفان، بالإضافة إلى تعطل خطوط الإمداد من مناطق أخرى. كما استقبلت المدينة أعداداً كبيرة من النازحين الفارين من المناطق المختلفة، إذّ يُقدَّر وجود أكثر من 160 ألف أسرة نازحة داخل الأُبيِّض ومحيطها، مما زاد الضغط على الموارد المائية المحدودة.

وجراء هذه الأوضاع، انخفضت حصة الفرد اليومية من المياه إلى حوالي 10 لترات فقط، وهي أقل بكثير من الحد الأدنى الذي توصي به المنظمات الصحية للاستخدامات الأساسية كالشرب والطهي والنظافة.

جهود محدودة لتخفيف الأزمة

وعلى رغم صعوبة الوضع، برزت بعض المبادرات المحلية لمحاولة التخفيف من أزمة المياه، في السياق يقول “جاد الله”، وهو عامل في هيئة مياه كردفان، إن الأوضاع تحسنت نسبياً خلال موسم الخريف، إذّ ساعدت الأمطار في تخفيف الضغط على مصادر المياه، كما أشار إلى أن قوات “الدعم السريع” وفرت بعد فترة من دخولها مدينة النهود بعض تناكر المياه لنقلها إلى الأحياء والقرى المجاورة؛ وبحسب “جاد الله”، يبلغ سعر برميل المياه نحو “ثلاثة آلاف جنيه سوداني” في النهود والقري المجاورة، وهو مبلغ يعتبره بعض السكان في متناول اليد، لكنه يظل عبئاً كبيراً على النازحين الذين يعيشون في مساكن مؤقتة ولا يملكون مصادر دخل ثابتة.

الحرب تضرب البنية التحتية

إلى ذلك، لم تكُن أزمة المياه في كردفان منفصلة عن سياق الحرب في السودان، بل جاءت نتيجة مباشرة لها، فالمعارك أدت إلى تدمير أو تعطيل العديد من مرافق المياه، بما في ذلك الآبار وخزانات التخزين ومحطات الضخ وشبكات التوزيع، كما أدى نقص الوقود وقطع الغيار ومواد تعقيم المياه مثل الكلور إلى صعوبة تشغيل المحطات المتبقية؛ وفي بعض المناطق أصبحت موارد المياه نفسها جزءاً من الصراع، حيث يؤثر التحكم في الآبار وخطوط الإمداد على قدرة المُدن والقرى في الحصول على المياه.

في النهود؛ تعمد المدينة على مصدر رئيس للمياه العذبة متمثلاً في آبار جبل حيدوب الجوفية والتي تقدر دراسات قديمة إبان فترة حكم الإنجليز حسب إفادات “مسؤول سابق بهيئة المياه” بأن المدينة شيدت فوق بحيرة جوفية.

وأضاف أن تلك الدراسات غير متوفرة ضمن أرشيف المدينة للأسف، مشيراً إلى أن (آبار جبل حيدوب) تكفل المياه الصالحة للشرب لجميع القرى التي تقع على مسافة 35 كيلو متر ضمن محيط المدينة، مضيفاً أن الجانب الغربي للمدينة هو الأكثر كثافة سكانية لأن أقرب مدينة ود بندة تقع على مسافة 68 كيلو متر، ولذلك فإن ما يقدّر بنحو 25 قرية أو تزيد تقع في هذه المساحة الفاصلة، تعتمد اعتماد دائم في المياه على آبار مدينة النهود وقال أن اكتفاء المدينة بالمياه بصورة يومية يقف على عدّة مسببات من بينها ظروف الطاقة وغياب الكهرباء المعتمدة على (مولدات الفيرنس) عن المدينة لما يقارب الثلاثة أعوام.

وأشار بأن تلك الفترة كانت خلالها المدينة تعتمد على آبار قدمتها هيئة المياه كعطاء للمستثميرين بالمدينة، وكانت تلك الآبار هي المعتمد عليها في ظل اعتماد آبار المدينة على الطاقة الشمسية ومشاكل التوليد الكهربائي، وأشار إلى أن المدينة فقدت معظم سكاناها بما فيهم مُلاك وسائقي (تناكر المياه) التي كانت تنقل المياه لجميع الأحياء والقرى المجاورة، وأضاف أن “معظم العاملين في هذا المجال فضلوا عدم المخاطرة بسيارات نقل المياه من التناكر خوفاً من سرقتها”.

تحذيرات أُمميَّة

في الأثناء، حذَّر مدير الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي “روس سميث” في حديث نقله موقع “التنوير” عن صفحة “سميث” بمنصة “إكس” من تزايد الاحتياجات الإنسانية في شمال دارفور وكادوقلي عاصمة جنوب كردفان، حتى تاريخ 14 ديسمبر الماضي، مشيراً إلى أن فرار المدنيين من المناطق المحاصرة لا يعني وصولهم إلى الأمان، إذّ تصل معظمهم إلى مناطق مزدحمة تقل فيها المساعدات، كما هو الحال في الأُبيّض، وتتفاقم المعاناة الإنسانية في السودان جراء الحرب المستمرة بين الجيش والدعم السريع منذ أبريل 2023، والتي خلفت عشرات الآلاف من القتلى ونزوح نحو 13 مليون شخص، بسبب الخلاف على توحيد المؤسسة العسكرية.

“النهود”.. أزمة مختلفة

في مدينة النهود بولاية غرب كردفان، تبدو الأزمة مختلفة قليلاً لكنها لا تقل خطورة، يقول “عبد السميع” وهو “اسم مستعار لأحد أبناء المدينة الذين لم يغادروها منذ اندلاع الحرب في السودان”، إن الفترة التي أعقبت دخول قوات “الدعم السريع” إلى النهود (حوالي 200 إلى 210 كيلو متر عن الأُبيِّض) شهدت شُحاً حاداً في المياه، خاصةً مع موجة النزوح الجماعي التي دفعت العديد من الأُسر إلى مغادرة المدينة نحو القرى المجاورة؛ لكن هذه القرى لم تكُن مستعدة لاستقبال هذا العدد الكبير من السكان، ما أدى إلى استنزاف حصصها المحدودة من المياه.. ويضيف “عبد السميع” أن بعض الأهالي اضطروا للعودة من قراهم إلى أطراف المدينة بواسطة الدواب أو عربات “الكارو” لجلب المياه، في رحلات شاقة ومحفوفة بالمخاطر؛ ويعتقد أن العديد من هذه الرحلات في الأيام الأولى شهدت اعتداءات من متفلتين أو لصوص استغلوا حالة الفوضى الأمنية.

النساء في الخط الأمامي للأزمة

في مجتمع كردفان، كما هو الحال في العديد من المناطق الريفية في السودان، يتحمل النساء عادة مسؤولية جلب المياه وطهي الطعام. مع تفاقم أزمة المياه، أصبحت هذه المهمات أكثر صعوبة وخطورة، حيث تضطر النساء إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى الآبار أو نقاط التوزيع، وغالباً في ظروف أمنية غير مستقرة.

في السياق، يقول تاجر في سوق الأُبيِّض إن النساء يتعرضن لمخاطر متعددة أثناء جمع المياه، تشمل التحرش، الابتزاز، وأحياناً الاعتداءات الجسدية. يرى أن ضعف الأمن وغياب الرقابة خلال ظروف الحرب يزيد من احتمال وقوع مثل هذه الحوادث. ويضيف أن بعض النساء يعانين ضغوطاً داخل الأسر بسبب التأخر في جلب المياه أو نقصها، مما يزيد من معاناتهن النفسية والاجتماعية.

قصص صامتة

وفي السياق وبحسب “عبد السميع”، فإن بعض النساء اللواتي تعرضن لاعتداءات أثناء رحلات جلب المياه يفضلن الصمتْ وعدم الحديث عن ما حدث لهُن، ويعزو ذلك إلى الخوف من الجُناة أو من الوصمة الاجتماعية، إضافة إلى القلق من أن يؤدي الكشف عن الحادثة إلى صراعات أو انتقام قد يعرّض أفراد الأُسرة للخطر؛ ويقول إنه حاول التحدث مع إحدى الضحايا لكنها رفضت الإدلاء بأيَّ تفاصيل، وهو ما يعكس حجم الضغوط الاجتماعية التي تواجهها النساء في مثل هذه الظروف.

خطر صحي متزايد

إلى جانب المعاناة اليومية في الحصول على المياه، تبرز مخاطر صحية متزايدة نتيجة الاعتماد على مصادر غير آمنة، فالمياه غير المعالجة قد تؤدي إلى انتشار الأمراض المنقولة بالمياه مثل الإسهالات الحادة والكوليرا، ومع ضعف الخدمات الصحية في مناطق النزاع، تصبح هذه الأمراض أكثر خطورة، خاصةً على الأطفال وكبار السن، ذلك بخلاف أنّ غياب المياه الصالحة للشرب يؤدي تأكيداً إلى قِلة مصادر المياه المستخدمة في النظافة سواء غسل الملابس أو النظافة الشخصية، وهو ما يفاقم من الأوضاع الصحية للنازحين.

وفي السياق، أحد المواطنين الناشطين في العمل الطوعي بكردفان، قال إنه تعرض لمضايقات كثيرة من عناصر الأمن، وقال إنه تعرض للاعتقال لمدة شهر كامل لمجرد تقدمه بإفادات حول النزوح وأزمات المواطنين، عبر “راديو دبنقا” وقال إن له قضايا مفتوحة في المحاكم ولا يستطيع التحدث في ظل هذه الظروف، برغم أن عمله في المنظمات الطوعية يحتم عليه -على حد قوله- تقديم الحقائق والتفاصيل للفائدة العامة وبالتالي عكس معاناة الناس في المنطقة.

إلى ذلك، تقول “فاطمة جبريل” نازحة تسكن مسافة 17 كيلو من المدينة أن الحصول على مياه صالحة للشرب يعتمد على خدمات يقدمها لنا آخرين، ونحن لا حول لنا ولا قوة إلاَّ بغير انتظار تناكر النقل، للحصول على المياه، أو بالعدم سرج الدواب وقطع هذه المسافة إلى داخل المدينة للحصول على الماء الذي يكفي ليوم واحد أو يومين بالكثير إذّ أن الدواب (الحمير) لا تحمل أكثر من (أربعة جالون مياه سعة 20 لتر)، وقالت أن تلك الكمية لا تكفي للشرب والطهي والنظافة، ما يحتم عليهم العودة يومياً إلى المدينة في حال عدم حضور التناكر أو في حال عدم امتلاك فرق سعر المياه في التناكر “3 ألف جنيه للبرميل”، والذي يفوق سعر البرميل في المدينة “1200 جنيه للبرميل” من المصدر. وتضيف “فاطمة” قائلة أن تلك الرحلة اليومية تعرضهم لمخاطر متعددة من بينها المسلحين والمتفلتين حيث أن معظم المسافة بين المدينة والقرى تعتبر أراضي زراعية خالية من المباني وقالت أن السير بمحاذاة الطريق المعبد الرابط بين النهود وود بندة إلى الفاشر يحتوى مخاطر أكبر في ظل كثرة الحركة، على عكس الطرق القديمة والتي تحتوي عدد أقل من الناس وقالت أنها شخصياً لا تفضل محاذاة الطريق المُعبد، خوفاً من التعرض لإطلاق النار العشوائي من الجنود الذين يفرضون طوقاً أمنياً حول المدينة خلال توقيفهم اليومي لخط سير المركبات وتفتيشها أو خوفاً من مطامع المسلحين أنفسهم.

أزمة إنسانية مستمرة

في غضون ذلك، تكشف أزمة المياه في الأُبيِّض والنهود جانباً من الصورة الأوسع للأزمة الإنسانية في السودان، حيث تتقاطع الحرب مع انهيار الخدمات الأساسية وازدياد أعداد النازحين؛ وفي خضم هذه الأزمة تقف النساء، اللواتي يحملن العبء الأكبر للحفاظ على حياة أسرهن في ظروف بالغة الصعوبة، فكل رحلة لجلب المياه قد تعني ساعات من الانتظار أو السير، وربما مواجهة مخاطر أمنية أو اجتماعية؛ ومع استمرار الحرب وتعطل البنية التحتية المنهارة مُسبقاً، تبدو أزمة المياه في كردفان مرشحة للاستمرار، ما لم يتم توفير دعم إنساني عاجل لإعادة تشغيل مرافق المياه وضمان وصول السكان إلى مصادر آمنة ومستقرة للمياه.
@167452319207567

Exit mobile version