وداعاً بولت.. أهلاً غوت غوت..كيف أصبح العداء الجنوب سوداني حديث العالم في ألعاب القوى؟

أفق جديد 

في عمر الثامنة عشرة فقط، بدأ اسم غوت غوت يفرض نفسه بقوة على الساحة العالمية لألعاب القوى، ليس باعتباره مجرد موهبة صاعدة، بل كمشروع أسطورة جديدة قد تعيد كتابة تاريخ السرعة، وهو ما جعله يدخل سريعًا في مقارنات مباشرة مع الأسطورة الجامايكية أوسين بولت، صاحب الأرقام القياسية التي ظلت لسنوات طويلة تبدو بعيدة المنال.

العداء الأسترالي من أصول جنوب سودانية لم يحتج إلى وقت طويل لإثبات قدراته، ففي 12 أبريل 2026، وخلال نهائي سباق 200 متر في بطولة أستراليا لألعاب القوى، قدّم أداءً استثنائيًا حين سجل زمنًا قدره 19.67 ثانية، وهو رقم لم يكن مجرد فوز بالسباق، بل إنجاز تاريخي منحه الرقم القياسي العالمي للناشئين تحت 20 عامًا بشكل رسمي، ليضع نفسه في موقع متقدم مقارنة بما حققه بولت في نفس المرحلة العمرية.

هذا الرقم لم يأتِ من فراغ، بل يعكس تطورًا متسارعًا في مسيرة غوت غوت، الذي كان قبل عامين فقط، وتحديدًا في سن السادسة عشرة، قد سجل 20.06 ثانية، ليصبح حينها أسرع عداء في فئته العمرية، وهو ما أظهر مبكرًا أنه مشروع بطل استثنائي. ومع كل سباق يخوضه، يثبت أنه لا يسير فقط على خطى بولت، بل يحاول تجاوزه، وهو أمر نادر في رياضة تقوم على فروق زمنية ضئيلة للغاية.

المقارنة بين غوت غوت وبولت لا تقتصر على الأرقام فقط، بل تمتد إلى الأسلوب أيضًا. فطريقة الجري، القامة المنتصبة، والخطوات الطويلة التي تصل إلى نحو 2.60 متر، تذكر كثيرين بأسلوب “البرق” الجامايكي، الذي اشتهر بقدرته على التحكم في الإيقاع والانطلاق بقوة في الأمتار الأخيرة. لكن اللافت أن العداء الجنوب سوداني يبدو أكثر تطورًا في بعض الجوانب في هذا العمر، خاصة من حيث التوازن بين السرعة القصوى والتحمل في المنحنيات، وهو ما ظهر بوضوح في سباقه الأخير.

ورغم الإنجاز الكبير في سباق 200 متر، لم يكتفِ غوت غوت بذلك، بل واصل حضوره القوي في سباقات السرعة القصيرة، حيث فاز بسباق 100 متر في بطولة أستراليا للناشئين بزمن 10.21 ثانية، وهو سباق أظهر فيه شخصية تنافسية قوية، خاصة بعد بداية لم تكن مثالية، إذ كان متأخرًا في منتصف السباق قبل أن يعود بقوة ويتجاوز منافسيه في الأمتار الأخيرة، في مشهد يعكس نضجًا مبكرًا وثقة عالية بالنفس.

هذا الفوز منح العداء الشاب بطاقة التأهل إلى بطولة العالم تحت 20 عامًا التي ستقام في مدينة يوجين الأمريكية في أغسطس المقبل، وهي محطة مهمة قد تؤكد مكانته كأبرز موهبة في جيله على مستوى العالم. ومع ذلك، لم يتمكن من تحقيق هدفه بكسر حاجز العشر ثوانٍ في سباق 100 متر، وهو ما يضع أمامه تحديًا إضافيًا في الفترة القادمة، خاصة أن هذا الرقم يُعد بوابة الدخول إلى نخبة العدائين العالميين.

رحلة غوت غوت لم تكن خالية من الجدل، فبعد تحقيقه الرقم القياسي في سباق 200 متر، ظهرت بعض الأصوات المشككة، خاصة من عدائين أمريكيين، الذين أشاروا إلى أن ظروف الرياح ربما ساهمت في تحقيق هذا الزمن، مستندين إلى أن عددًا من العدائين سجلوا أفضل أزمنتهم في نفس السباق. لكن هذه الانتقادات لم تؤثر على اللاعب، الذي تعامل معها بثقة لافتة، مؤكدًا أن وجود منتقدين هو دليل على أنه يسير في الطريق الصحيح، وأنه يفضل الرد داخل المضمار وليس خارجه.

ما يميز غوت غوت أيضًا هو شخصيته خارج السباق، حيث يظهر بروح استعراضية تجذب الجماهير، مثلما فعل عندما لوّح للحاضرين في الأمتار الأخيرة من سباق 100 متر، في لقطة تعكس ثقته بنفسه وقدرته على الاستمتاع بالمنافسة، وهو عنصر كان دائمًا جزءًا من جاذبية بولت نفسه. هذا الحضور الجماهيري، إلى جانب الأداء الرياضي، يجعله نجمًا متكاملًا قادرًا على إعادة إحياء الاهتمام العالمي بسباقات السرعة.

الهدف الأكبر الذي يلوح في الأفق بالنسبة لغوت غوت هو الرقم القياسي العالمي لسباق 200 متر، البالغ 19.19 ثانية والمسجل باسم بولت، وهو رقم ظل صامدًا منذ عام 2009. ورغم أن الفارق لا يزال كبيرًا نسبيًا في عالم السرعة، إلا أن تطور اللاعب السريع، وصغر سنه، وإمكانية تحسين تقنياته البدنية، كلها عوامل تجعله أحد أبرز المرشحين لمهاجمة هذا الرقم في المستقبل.

Exit mobile version