حوار كامل إدريس: سؤال الإرادة، غموض الأجندة، ومعضلة التنفيذ

بقلم : محمد الأمين عبد النبي

تبدو الدعوة التي أطلقها الدكتور كامل إدريس إلى الحوار في السياق الراهن محمّلة بإشكالات تتجاوز بعدها الإجرائي لتطال أسسها الموضوعية وتوقيتها، في بيئة تتسم بقدر عالٍ من الانقسام وانعدام الثقة بين الفاعلين في المشهد. غير أن هذه الدعوة تظل مفتوحة على تعدد مصادر الإحالة دون أن تستقر على مرجعية واضحة؛ فلا يُحسم ما إذا كانت امتداداً لمبادرة سابقة طُرحت في مجلس الأمن ولم تُقبل، أم أنها إعادة إنتاج للورقة المفاهيمية التي صيغت في يوليو الماضي ضمن إطار تصميم العملية السياسية دون أن تحظى بتوافق داخل معسكر الحلفاء، أم أنها استجابة مباشرة لمخرجات مؤتمر برلين الذي رفضته حكومة كامل ادريس. هذا التعدد في الخلفيات لا يعكس مجرد تداخل في المرجعيات، بل يكشف عن غياب وحدة التصور السياسي الذي يفترض أن يؤسس لأي عملية حوارية جادة، ويضع المبادرة منذ البداية في منطقة رمادية بين الفعل السياسي ورد الفعل.

وينعكس هذا الغموض بصورة مباشرة على طبيعة الأهداف، التي تتراوح بين شعارات عامة دون أن تقترن بآليات تنفيذ محددة أو ضمانات سياسية قابلة للاختبار. فغياب الربط بين الهدف والأداة يجعل الدعوة أقرب إلى علاقات عامة أو “عزومة مراكبية” منه إلى برنامج سياسي قابل للتطبيق. كما أن أجندة الحوار نفسها تظل ساحة خلاف مفتوحة، بين تيار يرى أن جوهر الأزمة السودانية يكمن في بنيتها العميقة المتعلقة بالدولة والسلطة وإعادة إنتاج الصراع، وتيار آخر يختزلها في ترتيبات انتقالية وظرفية تقوم على تقاسم السلطة، وهو ما يعكس اختلافاً جذرياً في تعريف الأزمة قبل حتى الاتفاق على حلها.

وتتعمق المعضلة أكثر، إذ يغيب التوافق حول الجهة المخولة بإدارة العملية الحوارية، وحول معايير المشاركة والتمثيل، وحدود الشرعية السياسية للأطراف المختلفة. هذا الغياب لا يمثل نقصاً فنياً في التصميم، ولكنه يعكس أزمة أعمق تتعلق ببنية التفكير السياسي، حيث تتحول العملية الحوارية إلى ساحة مفتوحة لتجاذب الشرعيات بدلاً من أن تكون إطاراً لتنظيمها. وفي هذا الإطار، يصبح الحوار عرضة للانزلاق نحو إعادة إنتاج العسكرة بحوار مدني، وليس إعادة تشكيل المشهد على أسس جديدة، بما يفقده وظيفة التغيير.

ومن هنا، فإن أي تصور للحوار لا يستند إلى مرجعية واضحة، ولا يضمن شمول الأطراف الفاعلة، ولا يحدد أجندة دقيقة قابلة للقياس، ولا يضع آليات تنفيذ ملزمة، يظل في جوهره أقرب إلى إدارة سياسية للفراغ منه إلى عملية حوارية منتجة. فغياب هذه العناصر لا يؤدي فقط إلى إضعاف فرص النجاح، بل يعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيداً، ويؤجل مواجهتها دون أن يمس أسبابها العميقة. كما أن هذا التصور يصطدم، في الواقع العملي، بسياقات سياسية وميدانية تتسم بالسيولة، حيث يُعاد توظيف مفهوم الحوار خارج شروطه الحقيقية. فحين يُستدعى الحوار في لحظة أزمة دون استكمال شروطه الجوهرية من مرجعية متفق عليها، وتهيئة سياسية، وتوافق أولي على قواعده، يتحول من أداة لبناء التوافق السياسي إلى وسيلة لمزيد من التعقيد. وعليه؛ فإن دعوة كامل إدريس مثقلة بتباينات في التصور حول غاياتها وحدودها، ما يجعلها أقرب إلى استجابة ظرفية لميزان ضاغط من التفاعلات السياسية، لا إلى مشروع مكتمل العناصر. هذا القصور لا يقتصر أثره على ضعف المبادرة، وإنما يمتد إلى إضعاف موقع الحوار ذاته كأداة إنتاج سياسي، إذ يُدرج ضمن أدوات لا تتوافر لها شروط النجاح، بما يؤدي تدريجياً إلى إضعاف الثقة فيه كمفهوم قابل للتطبيق.

وتزداد الإشكالية وضوحاً عند النظر إلى طبيعة الأسئلة التي تفتحها هذه الدعوة حول التمثيل والشرعية. فهي تعيد طرح إشكالية من يملك حق التحدث باسم من، وعلى أي أساس تُحدد أطراف العملية السياسية، وفي أي إطار تُدار عملية الحوار. غير أن هذه الأسئلة تظل دون إجابات واضحة، في ظل غياب الأرضية السياسية والإجرائية التي يمكن أن تنتج تمثيلاً متوازناً وشرعياً. ويُفاقم هذا الوضع انفصال الدعوة عن متطلبات التهيئة الضرورية، وفي مقدمتها وقف العمليات العسكرية والاستجابة للكارثة الإنسانية المتفاقمة، بما يجعلها خارج السياق العملي لأي عملية حوار جادة.

ويعزز هذا الانفصال الاستنتاج بأن الدعوة ليست سوى حلقة ضمن نمط متكرر من توظيف الحوار سياسياً، يُستدعى كلما اشتدت الضغوط الخارجية أو اختلت التوازنات داخل المعسكر المتصدع، أو عندما تظهر بوادر تقارب أو تنسيق بين القوى المدنية الرافضة للحرب. وفي هذه الحالات، لا يُستخدم الحوار كأداة لتقريب المسافات، بل كوسيلة لإعادة تفكيك الاصطفاف المدني.

كما أن توقيت الدعوة وسياقها السياسي يعززان هذا الفهم، إذ تبدو أقرب إلى استجابة مباشرة لمخرجات مؤتمر برلين حول السودان، الذي قوبل برفض رسمي، أكثر من كونها مبادرة ذات استقلالية سياسية أو رؤية متماسكة. فبدلاً من تقديم إطار بديل قائم على مرجعية واضحة وأجندة محددة، جاءت الدعوة محمّلة بدرجة من التعويم تسمح بإعادة تموضع دون الدخول في التزامات حقيقية. 

تقدم تجربة “حوار الوثبة” في عهد البشير مثالاً دالاً على مآلات هذا النوع من المبادرات، حيث أظهرت أن أي حوار يُطلق دون استحقاقات مسبقة لبناء الثقة وفي مقدمتها وقف العدائيات وضمان الحريات، ينتهي في الغالب إلى التحول إلى منصة شكلية لتثبيت السلطة. فغياب الإرادة السياسية، وتجاوز ضرورة وجود لجنة تحضيرية مشتركة تمثل الأطراف الفاعلة، يؤدي إلى تحويل الحوار لمحاولة بائسة للبحث عن الشرعية وفق منطق الاحتواء، حيث يُعاد ترتيب المعسكر الداخلي دون تغيير حقيقي، إذ يختزل مشهد حوار يدور بين أطراف متشابهة في الانتماء والوظيفة، بينما تُقصى بقية الفاعلين، فيفقد الحوار شرطه الجوهري كآلية للتغيير، ويتحول إلى مجرد إعادة ترتيب داخل المعسكر ذاته على حد قول أحمد مطر: (فعلام يأنفُ لاعبٌ من لاعبٍ وكلاهُما عضوٌ بنفس النادي؟).

تتجلى استحقاقات أي حوار جاد في مجموعة مترابطة من الشروط التي لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. في مقدمتها وقف إطلاق النار باعتباره شرطاً لإيقاف ديناميات العنف وفتح المجال أمام حوار متكافئ. ويليه مباشرة بناء مناخ سياسي ملائم عبر إجراءات عملية تشمل ضمان الحريات، ورفع القيود، وتأمين المشاركة غير المشروطة. وعلى المستوى الإجرائي، يتطلب الأمر الاتفاق على لجنة تحضيرية ووضع قواعد لإدارة الحوار، بما يضمن تكافؤ الفرص، ومنع الهيمنة، واحترام التعدد، إلى جانب تحديد أجندة واضحة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها، خاصة ما يتعلق ببنية الدولة، والإصلاح العسكري والأمني، والعدالة الانتقالية. كما يبرز دور الإعلام كعنصر مساند لعملية الحوار كفضاء لتوسيع المشاركة وتعزيز الوعي العام ومقاومة الاستقطاب وخطاب الكراهية، بما يخلق بيئة اجتماعية داعمة للمسار السياسي.

وفي نهاية المطاف، فإن الإشكال لا يكمن في مبدأ الحوار ذاته، ولكن في شروط استدعائه وتوظيفه. فكلما جرى إدراجه خارج سياقه الموضوعي، تحول من أداة لتجاوز الصراع إلى جزء من دينامياته. وعليه، فإن استعادة جدوى الحوار في السودان تقتضي إعادة بنائه على أسس خطة الرباعية التي تشمل وقف الحرب والهدنة الإنسانية وتهيئة المناخ السياسي، وعلى أسس خارطة طريق الخماسية في ملكيتها للسودانيين عبر لجنة تحضيرية وتحديد الأطراف وضبط الأجندة وإقرار ضمانات تنفيذ ملزمة، وعلى ضوء ما توافقت عليه القوى المدنية والسياسية السودانية في مؤتمر القاهرة وفي النداء المشترك للقوى المدنية في مؤتمر برلين، بما يحول الحوار من خطاب مطلق إلى مسار سياسي فعلي قادر على إنتاج حلول مستدامة.

 

Exit mobile version