
روبرت إيغان – Phys
في كشف أثري وجيولوجي جديد يعيد صياغة فهمنا لحضارات وادي النيل, كشفت دراسة حديثة صادرة عن جامعة ميشيغان الأمريكية عن الأسباب “الخفية” وراء ازدهار مدينة “نبتة” (جبل بركل حالياً) كمركز حضاري وثقافي وديني لإمبراطورية كوش العظيمة في السودان لأكثر من 900 عام.
تقع نبتة القديمة بالقرب من جبل بركل، الموقع المدرج ضمن قائمة التراث العالمي، والذي شكّل مركزًا دينيًا وسياسيًا مهمًا للكوشيين منذ نحو 800 قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي. هناك، شُيّدت الأهرامات والمعابد والقصور، في مشهد يعكس قوة حضارية كانت جزءًا من شبكة العالم القديم، وتفاعلت مع مصر القديمة والإمبراطوريات الكبرى.
الدراسة التي قادها عالم الآثار جيف إمبرلينغ وعالم الجيومورفولوجيا جان بيترز، ونُشرت في “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم”، تؤكد أن “الموقع” لم يكن مجرد صدفة جغرافية، بل كان نتيجة استقرار جيولوجي استثنائي لنهر النيل في تلك المنطقة.وقام الفريق بحفر 26 عينة رسوبية على أعماق تراوحت بين 5 و13 مترًا، مستخدمين تقنية التأريخ بالتألق الضوئي، ما أتاح لهم تتبع تاريخ النهر على مدى 12,500 عام.
وتشير النتائج إلى أن نهر النيل في تلك المنطقة مرّ بتحول جذري قبل نحو 4000 عام، حيث بدأ في ترسيب كميات ضخمة من الطمي، مكوّنًا سهلًا فيضيًا خصبًا بسمك يصل إلى 10 أمتار.
هذا التحول خلق بيئة مثالية للاستقرار البشري، حيث توفرت المياه بشكل دائم، مع تقليل مخاطر الفيضانات المدمرة.كما لعب الشلال الرابع للنيل دورًا مهمًا في إبطاء تدفق المياه، ما ساعد على استقرار النهر وتعزيز تراكم الرواسب، وبالتالي دعم الزراعة والاستقرار الحضري.وتُظهر الدراسة أن مملكة كوش لم تكن حضارة معزولة، بل كانت جزءًا من نظام عالمي معقد، ذُكرت في كتابات هيرودوت، وتفاعلت مع الإمبراطوريات الكبرى.
تثبت الدراسة أن عظمة إمبراطورية كوش لم تكن نابعة من القوة العسكرية والسياسية فحسب، بل من الفهم العميق والارتباط الوثيق بطبيعة الأرض. لقد اختار الكوشيون “نبتة” لأن النيل هناك كان كريماً ومستقراً، مما سمح لهم ببناء حضارة صمدت لقرون طويلة في قلب الصحراء النوبية.
وقال جان بيترز.”إن تراكم الرواسب هو الذي شكل المكان الذي عاش فيه الناس، وزرعوا الأرض، ومارسوا طقوسهم الدينية.. لقد كان النيل هو المهندس الأول لمدينة نبتة.”
رغم الظروف القاسية والحرب المستعرة التي يشهدها السودان حالياً، يبرز التقرير جانباً إنسانياً وبطولياً للأكاديميين. فالعمل لم يتوقف؛ حيث يقود علماء الآثار السودانيون التابعون لـ المؤسسة الوطنية للآثار والمتاحف عمليات التنقيب الميدانية في جبل بركل، بتنسيق مستمر مع فريق جامعة ميشيغان.
يقول جان بيترز: “البحث مستمر بفضل شجاعة وجهود شركائنا المحليين في السودان. عملهم أساسي ليس فقط لإنقاذ التاريخ، بل لضمان استمرار البحث العلمي في ظل أصعب الظروف.