عسكرة الاعلام

يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام والسودان يمرّ بلحظة بالغة التعقيد والحساسية، تتقاطع فيها مأساة الحرب مع تطلعات واسعة لدى أبناء وبنات الشعب نحو السلام والعدالة والديمقراطية واستعادة الدولة على أسس جديدة، وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، لا تبدو حرية الصحافة ترفاً نظرياً أو مطلباً مهنياً محدود الأثر، بل تتحول إلى شرط جوهري لأي أفق للنجاة الوطنية، وإلى خط الدفاع الأول عن الحق في الحياة والمعرفة معاً.

في هذا السياق، يبرز المعنى العميق لشعار هذا العام الذي يؤكد حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: لا يمكن بناء سلام مستدام في غياب إعلام حر، مستقل، وقادر على كشف الحقيقة وصونها. فالحروب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضاً بالرواية، وبالقدرة على تشكيل الوعي العام، وتحديد ما يُقال وما يُخفى، ومن يُسمع ومن يُقصى. ومن دون فضاء إعلامي مهني، تصبح الحقيقة نفسها ساحة نزاع، ويغدو المجتمع أسيراً لدوائر التضليل والاستقطاب

وتأتي هذه المناسبة فيما تواصل نقابة الصحفيين السودانيين ترسيخ حضورها كصوت مهني ومدني مدافع عن حرية التعبير في أحلك الظروف. وقد تزامن هذا العام مع تكريم دولي لافت للنقابة بمنحها جائزة حرية الصحافة من اليونسكو لعام 2026، وهو تكريم يتجاوز البعد الرمزي ليعكس اعترافاً بمعاناة الصحفيين السودانيين وصمودهم في مواجهة بيئة شديدة الخطورة.

لكن هذا الاعتراف الدولي، رغم أهميته، لا يكتمل معناه إلا إذا وُضع في سياقه الحقيقي: سياق مهنة تُمارس تحت القصف والاعتقال والتهديد والتهجير، حيث دفع الصحفيون والصحفيات السودانيون ثمناً باهظاً لالتزامهم بنقل الحقيقة. لقد فقد السودان عشرات الصحفيين، وتعرض المئات لانتهاكات موثقة شملت الاعتقال والملاحقة ومصادرة المعدات وإغلاق المؤسسات الإعلامية، في مشهد يعكس حجم الاستهداف الممنهج للمجال العام

إن هذه الانتهاكات لا تمثل اعتداءً على أفراد فقط، بل هي اعتداء مباشر على حق المجتمع بأسره في المعرفة. فكل صحفي يُقتل أو يُعتقل أو يُجبر على الصمت، تُنتزع معه مساحة من الحقيقة، وتُترك فجوة في الوعي العام لا يملؤها سوى التضليل أو الصمت القسري.

و هنا، لابد أن نشير الى تأكيد نقابة الصحلفيين بأن ملف الصحفيين المعتقلين والمختفين قسرياً يظل أولوية عاجلة، وأن الكشف عن مصيرهم والإفراج عنهم دون شروط هو التزام قانوني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل. وشددت على ضرورة تمكين آليات مستقلة من الوصول إلى أماكن الاحتجاز، وضمان سلامة جميع المحتجزين، ووقف كل أشكال الاستهداف المرتبط بالعمل الإعلامي.

في المقابل، فإن أي مسار نحو السلام أو الانتقال السياسي في السودان لا يمكن أن ينجح دون إعادة الاعتبار لدور الإعلام بوصفه جزءاً من البنية التحتية للسلام ذاته، وليس مجرد ناقل للأحداث. فالإعلام المهني هو الذي يبني الجسور بين المكونات الاجتماعية، ويكافح خطاب الكراهية، ويمنع احتكار الحقيقة، ويُسهم في خلق حد أدنى من الثقة الضرورية لأي تسوية سياسية مستدامة.

إن الحرب الجارية لم تكتفِ بتدمير البنى المادية، بل امتدت لتصيب المجال العام في جوهره، حيث تآكلت مساحات النقاش الحر، وتعرض الصحفيون لمحاولات مستمرة للتوظيف السياسي أو الإخضاع أو التهديد. وفي مثل هذا السياق، تصبح عسكرة الإعلام خطراً مضاعفاً، لأنها لا تطيل أمد الصراع فحسب، بل تعمّق الانقسام الاجتماعي وتؤجل فرص المصالحة.

 

إن المطلوب اليوم ليس فقط وقف الانتهاكات، بل بناء بيئة إعلامية جديدة تقوم على الحماية القانونية والميدانية للصحفيين، وإنشاء آليات تحقيق مستقلة في الجرائم المرتكبة ضدهم، وإنهاء الإفلات من العقاب، وضمان الحق الكامل في الوصول إلى المعلومات، واحترام استقلالية المؤسسات الإعلامية دون تدخل أو وصاية.

لكن الدفاع عن حرية الصحافة لا ينفصل عن مسؤوليتها أيضاً. فالصحافة التي يتطلبها السودان اليوم هي صحافة مهنية دقيقة، تضع الحقيقة فوق الانحياز، وترفض الانجرار إلى خطاب التحريض أو إعادة إنتاج الكراهية. ففي مجتمع مثقل بالانقسام والعنف، تصبح الكلمة مسؤولية مضاعفة، وقد تكون فاصلاً بين التهدئة والانفجار.

إن بناء مستقبل يسوده السلام لا يمكن أن يتحقق عبر الاتفاقات المغلقة وحدها، بل عبر فضاء عام مفتوح تُناقش فيه الحقائق بشفافية، وتُسمع فيه كل الأصوات، وتُصان فيه كرامة المهنة. فلا سلام بلا حقيقة، ولا حقيقة بلا صحافة حرة

وإذا كان تكريم اليونسكو للنقابة يحمل دلالة رمزية مهمة، فإنه في الوقت ذاته يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية واضحة: حماية الصحفيين السودانيين، ودعم استقلال الإعلام، ومساءلة كل من يثبت تورطه في انتهاك حرية التعبير أو استهداف العاملين في هذا المجال.

في هذا اليوم، لا نحتفي بحرية الصحافة بوصفها شعاراً احتفالياً، بل ندافع عنها باعتبارها شرطاً لبقاء المجتمع نفسه. فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض أو في السياسة، بل على الحقيقة ذاتها. وفي السودان، حيث تتداخل الحرب مع أسئلة المصير، تبقى الصحافة الحرة أحد آخر خطوط الدفاع عن إمكانية المستقبل.

لن يكون هناك سلام مستدام دون إعلام حر، ولن يكون هناك إعلام حر دون حماية شجاعة لمن يحملون الكاميرا والقلم في وجه الخطر.

 

Exit mobile version