
بقلم : إبراهيم هباني
تشير معطيات ميدانية متقاطعة إلى أن ما يعرف بـ”القوة المشتركة” في السودان لم يعد إطاراً عسكرياً داعماً للانتقال، بل تحولاً تدريجياً إلى تحالف مصالح مسلح، تقوده حسابات النفوذ لا شعارات الثورة.
فمع إعادة انتشار قوات بقيادة النور القبة، القيادي المنشق عن الدعم السريع، وتصاعد الضربات بين مكونات التحالف، إلى جانب انسحابات ميدانية من جبهات حيوية، تتكشف ملامح صراع داخلي يعكس انتقال “المشتركة” من دور سياسي داعم إلى فاعل رئيسي في إعادة تشكيل المشهد، ولو على حساب ما تبقى من أهداف الثورة.
لم تولد “القوة المشتركة” من رحم مشروع سياسي متماسك، بل جاءت كحل اضطراري لملء فراغ أمني وسياسي معقد. لكنها، مع مرور الوقت، تحولت من أداة توازن إلى لاعب يسعى لفرض شروطه، مستندا إلى قوة السلاح لا إلى شرعية الدور.
الفيديو الذي ظهر فيه مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة وقائد الحركة الشعبية شمال، لم يكن مجرد رسالة سياسية، بل انعكاس لحالة إعادة تموضع داخل هذا التحالف. فالرجل، الذي يمثل أحد مكوناته الرئيسية، بدا وكأنه يقرأ نهاية مرحلة، أو على الأقل يعيد تعريف موقعه داخل معادلة لم تعد مستقرة.
في الميدان، تتقدم الوقائع بسرعة أكبر من الخطاب. تحرك النور القبة بقوة تقدّر، وفق تقارير ميدانية غير معلنة وتقديرات دوائر متابعة الصراع، بنحو 3 آلاف مقاتل، وإعادة توزيعها حول العاصمة، لم يكن تفصيلا عسكريا عاديا. هذه الخطوة وضعت قوات جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة ووزير المالية، ومني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان، تحت ضغط مباشر، في مشهد يعكس صراعا مكتوما على النفوذ داخل الخرطوم.
وبصورة أوسع، تقدّر “القوة المشتركة” بعشرات الآلاف من المقاتلين، وفق تقديرات مراكز أبحاث معنية بالنزاعات وتقارير ميدانية غير معلنة، لكنها تفتقر إلى ما هو أهم من العدد: وحدة القرار.
فالتباين في الأجندات، واختلاف مرجعيات القيادة، جعلا منها تحالفا هشا، يتماسك ظاهريا ويتفكك عند أول اختبار.
ضربة جبل أولياء كانت لحظة كاشفة. استهداف مواقع لقوات مناوي وجبريل بطائرات مسيّرة، في سياق خلافات داخلية، يؤكد أن الصراع لم يعد سياسيا.
لقد دخل مرحلة الاحتكاك العسكري المباشر، حيث تحسم الخلافات على الأرض لا في الغرف المغلقة.
وفي النيل الأزرق، تتكرر المؤشرات نفسها. انسحابات واسعة لقوات المشتركة وكتائب الإخوان، مقابل بقاء قوات تابعة لعقار في مواقع المواجهة، تعكس إعادة توزيع أدوار قسرية، تفرضها موازين القوة لا التفاهمات.
على مستوى القيادة، جاء استدعاء عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة، لقادة الوحدات العسكرية، ومنح مهلة لسحب قوات المشتركة من المدن، ليؤكد أن الدولة نفسها لم تعد تقبل بتعدد مراكز القوة داخل العاصمة.
القرار هنا سياسي بقدر ما هو عسكري، ويعكس محاولة لاستعادة السيطرة على مشهد يتفلت.
وفي الخلفية، تتحرك حسابات أكثر تعقيدا. اجتماعات مغلقة في أم درمان، ضمت قيادات من العدل والمساواة إلى جانب مجموعات مرتبطة بـعلي كرتي، القيادي في الحركة الإسلامية السودانية، تعكس أن كل طرف بات يبحث عن موقعه في المرحلة المقبلة، حتى لو كان ذلك على حساب تحالفاته السابقة.
لم تعد “المشتركة” مجرد تحالف عسكري، بل أصبحت جزءا من الأزمة نفسها. فهي، بدلا من أن تكون رافعة للانتقال، تحولت إلى لاعب يسعى لحماية مصالحه، ولو على حساب مسار الثورة.
في السودان، لم تهزم الثورة في الشارع، بل جرى الالتفاف عليها داخل معادلة السلاح.
وما يحدث اليوم ليس سوى النتيجة الطبيعية لتحالفات لا تحكمها المبادئ… بل المصالح.