
بقلم : يوسف الغوث
حين كانت الحكايات تولد من رحم العتمة
كانت حينها الطفولة مرثية معلقة بين الضوء والغبار…
فليس كل ما يضيء في الذاكرة يحتاج إلى شمس. فبعض الأجمل يولد هناك، في تلك الساعات التي تتهادى فيها الشمس نحو أُفُقها المتعب، ويبدأ الغسق في التسلّل نحو خيوطها الفضية،، بهدوء اللصوص الذين لا يسرقون سوى الوقت..
ذلك الوقت الذي لم نكن نعرف له ثمنا، كنا نرميه في الأزقة كما تُرمى النرد، ولا نخشى خسارته لأن الطفولة كانت أكبر من أن تحاسب او يتم عتابها..
في السودان، حيث للنيل أسراره وللرمال أناشيدها، كانت الطفولة لا تمرّ مرور الكرام
فقد كانت تأخذ شكل لعبة، أغنية، او عظمة صغيرة في يد صبيّ حافي القدمين، يتخذ من القمر رفيقاً ومن الظل حارساً..
بين تلك الجدران الطينية التي تتنفس عمرا وبين تلك البيوت التي تفتح أبوابها للجيران قبل أن تفتحها للهواء، كان يُصنع شيء ثمين لا تبيعه الأسواق،،نمارس الفرح البسيط، غير المستعار، المصنع من لا شيء.
وهنا يأتي دور شليل أو الشليل ذلك الكنز الصغير الذي لم يكن ثمينا لأنه من عظم، بل لانه كان قلب اللعبة وروح المغامرة البرئية وعنوان ذاكرة لا تموت او تشيخ…
كان مجرد عظمة صغيرة من ساق ماعز أو خروف، يلفها الصبية بخرقة بالية أو يخبئونها تحت التراب أو خلف حجر، ويجعلون منها قضية وجود ولعبة فرح…. فاللعبة لم تكن مجرد تسلية وقت، بل كانت فلسفة صغيرة في الحياة،، فهناك شيء نخفيه، وهناك آخرون يبحثون بجد واجتهاد، وهناك هدف اسمه (الميس)… وعندما تصل إليه وحدك، تصرخ بملء فمك وبفرح هستيري،،شليل وين راح؟ أكلو التمساح… شليل وينو؟ أكله الدودو…
لم يكن التمساح حقيقيا واما الدودو فلم يكون سوى كذبة شعرية جميلة، لكننا كنا نصدقها بطفولة ملائكية لا تعرف الكذب،،فقد كانت لحظة الهتاف، بمثابة إنتشاء ،،تعادل انتشاء الكبار حين ينتصرون في معاركهم الكبيرة او في ظروف حياتهم القاسية….
كان صوت الطفولة يعلو في الأزقة،حيث تتوزع الفرحة كالهواء، والكل يعرف أن هذه العظمة الصغيرة تحمل أكثر من حجمها المادي،،فهي حكاية لحن، و تفاصيل أمسيات لا تعود، وذكري طفولة لم تكن تعرف أنها ستصبح يوماً مادة للحنين.
سنعبر الزمن إلى الوراء، لا بحثا عن عظمة ضائعة، بل عن جزء منا تركناه هناك، تحت ضوء قمر لم يعد يضيء كالسابق، ربما لأننا نحن من تغيرنا، وليس القمر…
كانت العظمة حالة خاصة فهي ليست عظمة أي ميتة، بل عظمة مختارة بعناية طفولبة صارمة،،فهي ليست كبيرة فتلفت النظر، ولا صغيرة جداً فتضيع من بين الحصى ،
كانت العظمة مستديرة الأطراف، ملساء الملمس، وكأنها حصاة غالية سقطت من تاج ملك غابر او من عالم سحري..
كنا نتنافس في اقتناء عظمة مميزة، نغسلها، ثم ندلكها بالتراب الناعم حتى تصبح وكأنها مرآة صغيرة للقمر، وفي بعض المرات نقوم بتزيينها بخطوط بسيطة مستخدمين حجر حاد، لتصبح علامة ملكية لا يراها او يتعرف عليها إلا صاحبها…
لم تكن العظمة مجرد أداة، بل كانت تجسيداً لأسطورة صغيرة نحكيها بيننا فهذا شليل (جدي،) وهذا شليل( البطل)و الذي ربح مئة جولة… فاللعبة تحتاج إلى خيال، ونحن كنا حينها أساطير في صنع الخرافات اليومية…..
كانت الأمسيات التي تُلعب فيها شليل هي الأكثر انتظارا،، تلك الليالي التي يكون فيها القمر مكتملا، كقرص فضي معلق بعناية فوق بيوت الطين، يفيض ضوء هادئا لا يحرق العيون ثم لا يخيف الظلال……
كان اختيار المكان ايضا فناً ،،كنا نختار أزقة ضيقة تتشعب كالأسئلة،.. ساحات ترابية خلف البيوت، جدران مهدمة تكون ملاجئ مثالية للإخفاء والاختباء
كل ركن في الحي كان يحمل اسما من وحي اللعبة ،،من الحفرة الي نقطة المراقبة وانتهاء بالميس والذي يعني خط النهاية
كان الجميع يجتمع كل في مكانه… ثم تبدأ طقوس اللعبة …
يجلس الرامي صاحب الذراع القوية ،ثم يفرد أصابعه وكأنه يبارك العظمة، وبعدها يتمتم بكلمات لا يفهم منها سوى إيقاعها السحري، ثم يقذف بـالعظمة بعيدا في الاتجاه المعاكي،،. بعدها نسمع صوت ارتطامها العظمي بالتراب، وتتوقف القلوب للحظة. بعدها، تندفع المجموعة كلها في الظلام، كقطيع ذئاب صغيرة يتعقب أثر فريسته… ولكن بدون جلبة، معتمدبن علي الصمت، واللمس، والحدس الفطري …
كان المحظوظ من يضع يده على العظمة أولاً… ليسعد بها لحظة قبل أن يخفيها في قبضته، ويبدأ في التسلل صوب الميس او خط النهاية …..
هنا تبدأ متعة المراوغة، ومحاولة خداع العيون التي تبحث عنه في كل زاوية. فكل من لم يعثر على شليل يصبح مطاردا لمن عثر عليها، وعندها، إما أن تنتقل العظمة إلى مكتشف جديد بعد صراع قصير على الهادي، أو يصل البطل إلى الميس منتصراً….
شليل وين راح؟ أكلو التمساح ،،كانت تلك هي صرخة النصر، نطلقها بفخر وكأننا قمنا بتحرير مدينة، اما العظمة الصغيرة فكانت بمثابة رمز إمبراطورية او شعار ملكي …. كان الجميع يصفقون حتى ولو كانوا هم الخاسرين. لأن اللعبة كانت في جوهرها احتفالا بالحياة، وليست حربا أو نهاية تراجبدية ….
لقد كانت لعبة شليل في زمن لم تكن فيه أجهزة إلكترونية او ألعاب فيديو او ذكاء اصطناعي….
كانت شليل وغيرها من الألعاب الشعبية هي المدرسة الوحيدة التي يتعلم فيها الطفل كيف يكون إنسانا ،،ليس عبر نصوص نظرية أو مواعظ جافة، بل عبر التجربة الحية كنا نتعلم ،، كيف نتعاون، كيف نتافس، كيف نخسر بكرامة، وكيف نكابر ولا نبكي أمام أصدقائنا عندما لا نجد العظمة…
لقد علّمتنا شليل ،،معني الصبر. في فكرة البحث عن عظمة صغيرة في تراب الليل علمتنا كيف نمتلك عينين حادتين، وصبرا لا حدود له، وإيمانا بأن العظمة موجودة في مكان ما، وسيجدها من لا يمل…
تعلمنا أن نتحمل الفشل فاحياناً نبحث طويلاً ولا تجد شيئا وربما نصل إلى الميس ثم نكتشف أن شليل سقط من ايدينا و منذ البداية دون أن نشعر،،. وعندها، نبدا مرحلة الضحك على ذاتنا،، ومن ثم نستعد للجولة التالية….
أما أكثر ما كانت تغرسه فينا، فهو فكرة الفريق،، فلم نكن أفرادا نتنافس بأنانية، كنا طاقما واحداً، يشجع بعضه بعضا، وربما نتا مر أحياناً على الرامي أو على الفريق الآخر، لكن التآمر كان جزءاً من المتعة، ولم يكن خبيثا أبدا. فطفولة السودان علمتنا أن نختلف دون أن نتناحر….
لقد كانت شليل بوابة لتعلم بروتوكول غير مكتوب فالقوانين لم تكن مكتوبة، لكن الجميع كان يعرفها..( لا تغش، لا تخبئ شليل في جيبك، لا تدفع غيرك أثناء البحث، وإذا أمسكت بالعظمة، فعليك أن تعلن ذلك بصوت مسموع. )كان النظام هو ما يجعل الفوضى ممتعة، لا مدمرة.
والغريب أن تلك اللعبة البسيطة كانت تعودنا على تحويل العادي إلى غير عادي. فالتراب لم يكن مجرد تراب، كان بمثابة ستار مسرحي. والعظمة لم تكن عظمة، كانت كناية عن حلم والمساء لم يكن مجرد وقت، كان ميعادا مقدسا لا نفوته
ه مهما حدث. كانت لعبة شليل بمثابة الدين الذي لا يجادل فيه أحد….
لكن… مثل كل جميل في هذه الحياة، كانت لشليل نهايتها. ..
جاءت الأجهزة الذكية لتسرق منا الأمسيات، وتحول الأطفال إلى كائنات محدقة في شاشات ضوئية لا تعرف دفء القمر… ثم اختفت الأزقة التي كنا نركض فيها، وحلت محلها شوارع إسفلتية لا تحتمل اللهو…
كبرنا نحن أيضاً، وصرنا نعتقد أن الرجولة تعني ألا نركض خلف عظمة في التراب.
ولكن في لحظات الصدق، عندما نخلو إلى أنفسنا، نشتاق جدا إلى صوت شليل وين راح؟ الذي كان يملأ الحارات فرحا بريئا،، نشتاق إلى ذلك الزمن الذي كنا نصنع فيه السعادة من قلب التعب والعوز…
نشتاق إلى الأصدقاء الذين كنا نتقاتل معهم في النهار ونلعب معهم في الليل…
نشتاق للى البراءة التي لم نكن نعرف أنها ستغادرنا بهذه السرعة…
اليوم، وبينما يشتد الحنين، وترتفع أصوات الدعوات لعودة سوداننا الذي نحب ، ربما تأتي ساعة نحاول فيها إحياء شليل من جديد. بجمع أطفالنا، ثم الخروج بهم إلى الفناء الخلفي تحت ضوء القمر…
ربما اطفالنا لا يفهمون… ربما يضحكون علينا. لكننا سنعلمهم على الأقل كيف تكون السعادة بلا واي فاي، وكيف تكون المتعة بلا بطارية. ثم نزرع في قلوبهم بذرة حنين إلى زمن لم يعاصروه، لكنه سيبقى حياً في ضحكاتهم..
ان شليل لم تكن لعبة عادية… كانت ثورة صغيرة ضد الفراغ، كانت طوق نجاة من غرق الفقر في بحر الإهمال، كانت شهادة ميلاد لأجيال كاملة تعلمت أن تصنع المستحيل من لا شيء..
ان شليل هي جزء من روح السودان الحقيقي، ذلك الذي لا يموت، حتى لو دفن تحت رمال الحروب لعقود …